يوسف البارودي – في ذكرى رحيل إمرأة..

يوسف البارودي – في ذكرى رحيل إمرأة..

رمت بها الأقدار بعيدا، وظلت وحيدة بعيدة عن إمارة أبيها وجواده، تقاتل بكل ما أوتيت من قوة وعزيمة، عسى ألا تتلطخ بأوحال مستنقع الزمان.

تعرف أن التراجع موت، وأن الفرار خيار الفاشلين، إنها كانت تعرف أن الحياة أكبر من أن تعطيها، وأنها أكبر من أن تستجدي للحياة نفسها. إنها مقاتلة، وكانت تقول أن ليس لديها ما تفقده، بالرغم من أنها تعرف أنها إذا فقدت الشيء الذي تعتز به وتكافح من أجله ستفقد نفسها. إبناها الوحيدان بالنسبة لها، بؤبؤ عينيها.

حكت لي ذات يوم وهي تملأ جرحي ببن القهوة، أن والدها الذي تركها صغيرة، ملأ لها جرحا أصابها في راحة يدها بالغبار، لكنه أوصاها بأن تنتبه للريح، فإن الجرح سيندمل، لكن الغبار سيتراكم على الجرح ويلتهب، وكلما هب الريح سينفض الغبار ويغمرها الألم من جديد. فظلت هكذا طوال حياتها تنتبه للريح الآتي من الجهات الأربع حتى لا تتعثر وتسقط، حتى لا ينفض الغبار عن يدها ويلتهب الجرح مجددا.

تزوجت مثلها مثل بنات الدوار، اللواتي يظلن يراقبن القمر، حالمات بأن يأتي الفجر ومعه فارس أحلامهن، عله ينقذهن من تعب الرعي و تقطيع الحطب الذي يحملنه على أكتافهن.

لكن الزواج عندها، لم يكن بداية حياة جديدة ونهاية التعب، ولم يعوضها عن ما عاشته من مآسي جراء فقدان والديها وهي صغيرة ، لتظل وحيدة متوحدة عند عمها. بل كان الزواج بداية لتعب جديد وآلام جديدة، رغم أنها حظيت بطفلين، إلاّ أن الزوج العاجز عن العمل ومحاولة إنقاذ إبنيها من شبح الجهل ووحش الجوع ما دفعها للتألم من جديد.

عند ذهابي إلى المدرسة في الصباح، كنت ألتقيها حاملة كفة مملوؤة بالبيض الذي تجمعه من عند نساء الدوار، لتعيد بيعه لنساء المدينة اللواتي تشتغل عندهن كخادمة متى طلبن منها ذلك. كانت ترضى أن تمشي مسافات طوال مشيا على الأقدام لتوفر ثمن النقل لأبناءها ليلتحقوا بالثانوية التي يتابعون فيها الدراسة.

وفي المساء كانت تعود وفي يدها علب حلوى توزعها على أطفال الدوار، وكفة البيض قد أعادت ملأها بالخضر، التي جلبتها من السوق في المساء من عند خضار كان يمنح لها أحيانا بالمجان لمعرفته بحالها، وعندما يغيب الخضار الذي يعرفها عن السوق، تظطر للتسوق من عند خضار آخر. كانت تجيد صنع حساء الخضار، وأكلة الطماطم بالبيض، لأنها الأطعمة الوحيدة التي تجلبها معها، أما اللحم فرائحته لا تزور البيت الطيني إلاّ من عيد لآخر.

هكذا ظلت تكافح من أجل أن يصير إبنيها ما يريدان، وهبت روحها ودمائها الزكية فداء من أجل حياة أولادها. أولادها صاروا ما يريدون، تابعوا الدراسة التي أدت ثمنها أمهم بما تجنيه من العمل في بيوت نساء المدينة، هم حصلوا على شواهد عليا، وكل له عمله، وأمهم حصلت على شهادة الوفاة بعد أن إستنفذت كل طاقة الصبر التي إكتسبتها من المعاناة والألم الطفولي الذي عاشته وحيدة.

أتذكر في ذكرى رحيلها الثامنة، كيف كانت تملأ الغرفة الواحدة التي تجمع أبناءها وزوجها العاجز عن العمل، أملا وبهجة. الغرفة المبنية بطوب طيني كانت كافية جدرانها، لتتلقى ضحكاتها الشبابية ،والباب الخشبي مفتوح طوال الوقت، ويستقبل كل الجيران. رغم أن تجاعيد الزمن سرقت كل جمال وجهها. لم أكن أظنها شاخت، ولم أكن أظن أنها سترحل في صمت كما فعلت.

هن كثيرات أمثال هذه المرأة.. هن كثيرات النساء اللواتي وهبن حيواتهن من أجل أن يحيى أبنائهن. ومنهن هاته المرأة التي تذكرتها في ذكرى رحيلها الثامنة، تلك المرأة التي يفتقد الدوار لضحكتها، وأطفال الدوار يفتقدون لحلواها رغم أنهم كبروا ولم يعودوا يتلذذون بمذاق الحلوى.

سلام على كل المقاومات.. سلام على كل المكافحات.

loading...
2016-01-28 2016-01-28
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي