“جون افريك” تنشر مقالا عن الياس العماري: قصة ريفي يَعْرف من اين تُؤكل الكتف

إلياس العماري، القادم من دوار صغير بالريف، ناشطا يساريا راديكاليا، تحول إلى الرجل القوي للأصالة والمعاصرة. هنا قصة واحدة من الشخصيات الأكثر تأثيرا، والأكثر غموضا، في المملكة.

في اليد، هاتف غير ذكي، وقديم جدا حتى لا يخترق، موصول بسماعات في الأذن، ومشية مستعجلة تتناقض مع نبرته الهادئة. إنه إلياس العماري، نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، وهو رجل مطلوب جدا. وعندما يمنح موعدا لصحافي، فذلك يكون بين مقابلتين مع كبار رجالات الدولة. وزراء ومديرو مؤسسات عمومية، ورجال سياسة من مختلف المشارب، كلهم يسعون وراء كأس شاي بـ”الشيبا” برفقة “سي إلياس”. إنه أمر طبيعي جدا: فإلياس، واحد من الرجال المؤثرين في المملكة، بفضل مذكرة عناوين جيدة، راكمها عبر سليقة فطرية في التواصل، تعطي لمخاطبيه انطباعا بأنه أفضل شخص يمكن أن يعرضوا عليه أسرارهم. وفي الأيام الأخيرة، يستغرق إلياس العماري، الذي يعرف جهاز “البام” كجيبه، كليا، في مواعد ولقاءات غير رسمية، وفي جدول الأعمال: مؤتمر الحزب، الذي سينعقد في 22 يناير الجاري، وهو موعد مصيري للتحضير للانتخابات التشريعية لشتنبر المقبل، والتي قد تأتي بمفاجآت.

اليوم الكبير في وقت يعد فيه فاعلا نشيطا في كواليس القرار منذ سنين، خرج هذا “القوي الصغير” القادم من الريف، من الظل، فأمسك بحبال جديدة، تجسدت في توليه مناصب رسمية. في شتنبر الماضي، خاض أول معركة انتخابية له فوضع يده على أول جماعة قروية دون منافس، ثم حصل على رئاسة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وتوج الأمر أخيرا، بإطلاق مجموعة إعلامية تتشكل من ست جرائد، ومطبعة، باستثمار قدره 65 مليون درهم (حوالي 6 ملايين أورو). بالعربية، والفرنسية، والأمازيغية… صارت “أفكار” إلياس العماري، منشورة بكل اللغات المنطوق بها في المملكة. “لا. لا يتعلق الأمر بأفكاري، أو أفكار حزبي. إنها مجموعة إعلامية مفتوحة أمام كل الحساسيات، خصوصا، تلك التي تخص الرجال والنساء الذين يعملون في هذه الجرائد”، يقول إلياس العماري، نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، التنظيم، الذي حاز، عن طريق لعبة التحالفات، على خمس رئاسات جهوية من أصل 12 جهة يتكون منها المغرب. وكان العماري، أول رئيس جديد لجهة، يلقي خطابا أمام الملك، وهو شيء يعد امتيازا. لقد قام، في 17 أكتوبر 2015، والملك بجانبه، بتقديم مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”، المخصص له غلاف مالي من حوالي 6.5 ملايير درهم، شيء ساعد على تنمية “رأس ماله التأثيري”، وأكسبه الكثير من التقدير كما الازدراء، والكثير من الاحترام كما الخوف. علما أنه لا شيء، أوحى من قبل، بأن هذا القادم من مدشر صغير في الريف، سيصير أسطورة حية للطبقة السياسية المغربية.

الهارب من الريف أطلق إلياس العماري، أولى صرخاته في الوجود في 1967، بالنكور، بلدة بالقرب من الحسيمة، ليترعرع في منطقة أهملها الملك الحسن الثاني. والنتيجة: نمى لديه، منذ طفولته، نوع من الانجذاب نحو السلطة، وأساسا، تغييرها. ويقول: “وأنا صغير، كنت أعتقد أن العالم محدود في دوارنا وبأن السلطة حدودها رجال الدرك الملكي”، مضيفا: “وهؤلاء يشحنونا نحو البلدة لتنظيف ساحتها، مقابل السماح لنا بمشاهدة سلسلة طرزان في المقهى الوحيد. وفي القديم، كنت أحلم أن أصير دركيا، ببساطة، من أجل تمكين الشعب من مشاهدة التلفزيون بدون إرغامه على تنظيف البلدة”، وبمرور السنين، ستتوسع آفاقه، وكذلك طموحاته إلى السلطة. في يناير 1984، عرفت منطقة الريف انتفاضة جديدة: تلاميذ الإعداديات والثانويات ينضمون إلى الإضراب المعلن من قبل طلاب الجامعات، وقام أمنيو المملكة بقمعهم بشكل شديد. وحينها صار العماري واحدا من “الأوباش”، كما وصفهم الحسن الثاني، على خلفية مداهمة مكتب “خليفة القائد” بآمنود، البلدة التي تابع فيها إلياس العماري، دراسته. تم إيقاف أغلبية رفاقه، أما هو، فقد تمكن من الفرار عبر الشقوق، والوصول إلى الطبيعة: “قطعت المسافة بين الحسيمة وفاس، مشيا خلال ثلاثة أيام”، يتذكر إلياس العماري، الذي يحكي عن سنوات فراره من العدالة، اليوم، على طريقة محمد شكري، واحد من الأدباء المفضلين لديه. وليس سهلا، أن تعيش هاربا، لأن الرجل، لم يكن يمضي أكثر من شهرين في المدينة الواحدة، وينام، حينما لا يجد حلا آخر، في الشوارع، ويتدبر الأمور حتى يبقى على قيد الحياة. “في يوم من الأيام، استيقظت في طنجة، فاكتشفت أن حذائي الذي أتخذه، وسادة أيضا، سرق مني، فتوجهت إلى أحد المساجد، وأخذت وقتي وراحتي في اختيار حذاء يناسبني”، يعترف إلياس العماري، دون أدنى شيء من الحرج أو الحقد. ولم يمنعه عيشه متخفيا من مواصلة نشاطه في صفوف الحركة الطلابية. ورغم أنه غادر مقاعد الدراسة وهو لم يحصل بعد على شهادة الباكلوريا، إلا أنه كان محترما في الحرم الجامعي، ونال شعبية وسط الطلبة الجامعيين اليساريين، وبجانبهم اكتسب ثقافة سياسية، وأبان عن عداء شرس تجاه الإسلاميين، الذين كانوا بدورهم، نشيطين جدا في الجامعات.

لقاء غير كل شيء في ليلة من 1989، بمقهى في محيط محطة “القامرة” في الرباط، كان العماري، ينتظر بدون صبر، وصول عدد جديد من جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، التي تتضمن لائحة الحاصلين على العفو الملكي، وبينهم يظهر بعض المدانين في أحداث 1984، فكان اسم إلياس العماري، وسط الجريدة. لقد صار رجلا حرا، وسيتوقف عن العيش متخفيا، فكان من بين أول نشاطاته: زيارة عدد من رفاقه المعتقلين السياسيين بالسجن المركزي للقنيطرة، وفي هذا المركب العقابي، سيلتقي، بالرجل الذي سيمكنه، بعد سنوات أخرى، من الولوج إلى الدائرة الأولى للسلطة: إدريس بنزكري، معتقل سياسي قديم يحظى باحترام الجميع، وكلف في 2004 من قبل الملك محمد السادس، بقيادة تنفيذ مخطط وتأسيس هيأة الإنصاف والمصالحة، “وكنت، في البداية مترددا إزاء المقاربة”، يسر الرجل الذي كان الراحل بنزكري يقدمه على أساس أنه كاتبه الخاص. وخلال لحظات التحضير لتشكيل الهيأة، المكلفة بطي صفحة سنوات رصاص النظام السياسي، سيتعرف إلياس العماري، على أحد الرجالات الجدد الأقوياء في البلاط: فؤاد عالي الهمة، وكان حينها وزيرا منتدبا في الداخلية، وحاليا مستشار للملك. “حدث ذلك في بيت أحمد الحليمي، وزير الشؤون العامة (المندوب السامي للتخطيط حاليا)، ، الذي لعب دورا محوريا في عملية الاتصال مع الطيف الحقوقي”، يحكي العماري.

صديق للهمة منذ ذلك الحين، سيكون لإلياس العماري بعد أكثر أهمية في المشهد السياسي. قريب جدا من الصديق الحميم للملك محمد السادس، وسيؤسس معه “حركة لكل الديمقراطيين”، ثم حزب الأصالة والمعاصرة. وهو القرب الذي جر عليه كثيرا من النعوت والألقاب، تبدأ بـ”الريفي د سيدنا” وتصل إلى “عفريت الهمة”. الطبقة السياسية واللاوعي الجماعي يصورانه على أنه “ماسك بخيوط الكراكيز”، وهو دائما مسؤول عن كل المكائد والمؤامرات. وبالنسبة إلى جزء مهم من الطبقة السياسية، على سبيل المثال، هو الذي وقف، في الظل، وراء موجة الترحال السياسي التي مكنت الأصالة والمعاصرة من الحصول على الرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية لـ2009. واسم العماري، ورد، أيضا، في أحداث مخيم اكديم إزيك، الذي أسفر تفكيكه عن وفاة عدد من رجال القوات العمومية. وحتى حينما صعد فريق نادي شباب الريف الحسيمي إلى القسم الأول من البطولة الوطنية لكرة القدم، يعتقد كثيرون، أن رئيسه، إلياس العماري، هو الذي يسر ذلك. مسألة سمعة أو لا، يحرص إلياس العماري، اليوم، على توضيح درجة قربه من الهمة: “لم ألتقه منذ وقت طويل، ولا أتصل به. لست من النوع الذي يخلق الأعداء لأصدقائه”، يشرح، مضيفا: “أحترمه على نحو تام، فقد انخرط، بقلب صاف، في كل المهام التي تقلدها، وزيرا، وزعيما سياسيا، ومستشارا ملكيا”. وفيما يقول العماري إنه قلص قربه من مستشار الملك الأكثر تأثيرا، يظهر في أعين البعض، على أنه الشخص الذي يوشوش في أذن فؤاد عالي الهمة. هذه السمعة تبعث الشك منه في نفوس الكثيرين، لكنها، أيضا، تفتح الباب أمام احتقاره وشتمه، من قبل آخرين. ومن بين منتقديه الرئيسيين، عبد الإله بنكيران نفسه. ففي 2011، في عز الحملة الانتخابية، نعته الرئيس المقبل، آنذاك، للحكومة، بـ”المافيوزي”، وبعدها سيتحدث عبد الإله بنكيران، في البرلمان، عن وجود “تماسيح” و”عفاريت”، ولم يقم سوى بالتلميح إلى إلياس العماري. في الصيف الماضي، بعدما حل الأصالة والمعاصرة متقدما في انتخابات الغرف المهنية، ومع بلوغ حملة الانتخابات الجماعية والجهوية، أوجها، لم يفوت الأمين العام للعدالة والتنمية، تجمعا انتخابيا، دون حياكة لباس جديد لغريمه السياسي المفضل، وصفه بـ”زين العابدين بن علي المغرب” (الرئيس التونسي الأسبق). وبسبب مشروعه الإعلامي الجديد، لم يتردد بنكيران، عبر كلمات وأوصاف إيحائية، في اتهام العماري، بالحصول على الأموال اللازمة للمشروع من لدن بارونات المخدرات، أما الرجل القوي للأصالة والمعاصرة، فيعتمد، عموما، خطا دفاعيا معتدلا: “بنكيران رئيس للحكومة، وما عليه إلا أن يأتي بالدلائل على ادعاءاته، أو سيعتبر متواطئا”. إذا كان إلياس العماري، بالنسبة إلى رئيس الحكومة، تجسيدا للشر، فإنه بالنسبة إلى آخرين، الزعيم السياسي البالغ في عمره 48 سنة، المدافع بحماس عن النظام السياسي، الذي حاربه في شبابه. فكيف يمكن تفسير “قلبه للفيستة (القميص)”؟، حول ذلك، يجيب ببديهته الفطرية: “توجد أيام، أتساءل فيها، هل أنا الذي تغير أم المغرب؟”، بدون شك، كلاهما تغير.

السائق المقبل للجرار؟ لم يعد من أسرار مسرح الدمى، أن إلياس العماري، هو الذي كان وراء تنصيب مصطفى الباكوري، في 2012، أمينا عاما للأصالة والمعاصرة، “لقد كان الرجل الذي نحن في حاجة إليه، لاستمرارية الحزب وتمثيل كل الحساسيات الموجودة فيه”، يشرح إلياس العماري. واليوم، لم يعد الأمين العام للأصالة والمعاصرة، متيقنا من رغبته في الحصول على ولاية ثانية، والعماري، يقدم أنه خليفته المفترض. “شخصيا، أريد أن يستمر السي مصطفى في تسيير الحزب، وإذا قرر ألا يترشح، تظهر لي فاطمة الزهراء المنصوري، (العمدة السابقة لمراكش)، مناسبة لتسلم المشعل. وإذا لم يتقدم أي منهما، فمن الممكن، حينها، أن أقدم ترشيحي”، يسر لنا نائب الأمين العام للأصالة والمعاصرة، الحزب الذي يستعد لعقد مؤتمره في 22-24 يناير الجاري. وكيفما كان الحال، فالسائق المقبل لـ”جرار” الأصالة والمعاصرة، الذي له حظوظ وافرة للفوز بتشريعيات شتنبر المقبل، وبالتالي قيادة الحكومة، سيكون بدون شك، في حاجة إلى دعم ومباركة “سي إلياس”. امحمد خيي (عن جون أفريك بتصرف)

loading...
2016-01-20 2016-01-20
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

التعليقات3 تعليقات

  • Daoudi Mohammed

    لا للموساد الصهيوني بالوطن المغربي .نعم للوحدة الوطنية .

  • Rachid Rifinio

    مهما وصل فهو يبقى مجرد عميل مرتزق خان دم شهداء منطقته الذين ضحوا بحياتحم مقابل كرامة وحرية الشعب الريفي .التاريخ لا يتذكر الخونة مهما على شأنهم بل الأبطال الشرفاء

  • Abd Al Majid Akarkach

    bi manti9 al af3al walaysa al a9wal had siyad howa rajoul 3 min nahiyat anofod wasolta fal mamlaka.ohad al 9owa kolha iktasbha tab3an ba3dama tkhla 3la kol mabadio okol akhla9o onidalo tawil fal yasaaaaar

حسيمة سيتي