انتفاضة 13 يناير 84… حكيم بنشماش من اقبية السجون الى رئاسة مجلس المستشارين

عرف المغرب بداية الثمانينات أزمة خانقة في مختلف المجالات و القطاعات و تراجع الوضع الاقتصادي الذي تميز بإفلاس المغرب الذي بلغت ديونه الخارجية آنذاك 7.000 مليون دولار أدى إليه سوء التدبير ثروات المغرب و الإنفاق الضخم في التسلح في حرب الصحراء حيث كانت تكلف خزينة الدولة مليون دولار يوميا، و كذا انخفاض عائدات الفوسفات نتيجة انخفاض ثمنه عالميا لقلة الطلب، مما أدى بالمغرب للخضوع لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية المانحة للمغرب كصندوق النقد الدولي و ابنك العالمي، و ذلك بتبني سياسة التقويم الهيكلي المعتمدة على سياسة التقشف وباعتماد سياسة ما يسمى بتوجيه نفقات القطاع العمومي بخفيض ميزانية تسيير القطاعات  العمومية الى ادنى مستوياتها كالتعليم و الصحة و الشغل و الزيادة في الضرائب و رفع الاسعار و تجميد الاجورة والتعويضات….
و قد عرفت أثمنة المواد الأساسية ارتفاعا كبيرا، حيث وصلت الى 18% بالنسبة للسكر و 67% بالنسبة للزبدة، و 20% بالنسبة للغاز و الوقود، أما بالنسبة لقطاع التعليم، فقد أضيفت رسوم جديدة للتسجيل، تمثلت في دفع 50 درهما بالنسبة للتلاميذ الراغبين في التسجيل بالبكالوريا، و 100 درهم بالنسبة للطلبة الجامعيين.
و على المواطنين الراغبين في الدخول للمدينتين المحتلين للعمل او التجارة دفع مبلغ 100درهم بالنسبة للراجلين و 500 درهم بالنسبة لأصحاب السيارات، حيث سنة 1984 تم تعميم مبلغ 100 درهم ، و هو ما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي بالإقاليم الشمالية.
الوضع المتأزم اقتصاديا وسياسيا و اجتماعيا هو الذي أدى في النهاية إلى تفجير الانتفاضة 84، التي جاءت بعد انتفاضة الخبز في تونس لنفس الاسباب و الدواعي، مما دفع بالمواطنين الى الاتحاد والاحتجاج ضد هذه السياسة الطبقية، حيث نزلت الجماهير الشعبية إلى الشوارع في مسيرات حاشدة في مجموعة من المدن الشمالية حيث انطلقت من الحسيمة وعمت في كل من الناظور و تطوان و القصر الكبير و مراكش و بركان و وجدة.
كانت بداية الانتفاضة عبارة عن احتجاجات تلاميذية داخل أسوار الثانويات بالحسيمة، على مطالبهم المشروعة ” تجهيز المختبرات والمكتبة و سد الخصاص في اساتذة بعض المواد و تحسين الوجبات الغذائية كما و كيفا بالنسبة الداخليين، و التراجع عن الزيادة في رسوم التسجيل…”، لكن هجوم السلطات على هذه المؤسسات أدى الى نقل هذه الاحتجاجات الى الشارع و مشاركة المواطنين المتضامنين معهم،  و بإنتقالها إلى الشارع تطور شكلها من مجرد احتجاجات تلاميذية  إلى مظاهرات شعبية حاشدة في الشارع و في الأحياء الشعبية و البلدات ضد القمع وسياسة التقويم الهيكلي وارتفاع الاسعار و غلاء المعيشة برمته شاركت فيها مختلف فئات و شرائح المجتمع بالريف.
وكانت الشارة الاولى من ثانوية أبي يعقوب الباديسي بالحسيمة، حيث قام تلاميذ المؤسسة كالعادة بتنظيم تظاهرة احتجاجية على تردي الاوضاع التعليمية  بالثانوية و بمجرد ان رفع التلاميذ شعار انطلاقة التظاهرة في الساحة “اتحدوا اتحدوا في الإضراب شاركوا”، حتى فوجئ الجميع باقتحام قوات القمع لحرمة المؤسسة بوحشية هستيرية و بدون سابق انذار، فكان التدخل القمعي عنيفا وعشوائيا حيث تقوم  عناصر القوات القمعية بالضرب و الرفس كل من يعترض طريقها، و امام هذا الوضع بدأ التلاميذ بالهروب في كل الإتجاهات بحثا عن مفر يقيهم شر هراوة قوات القمع الغليظة فالبعض حاول تسلق الجدران الطويلة والبعض الاخر قام بكسر النوافذ المطلة على الشارع للقفز منها و النجاة من القمع و الاعتقال، وبعدها مباشرة حاول كل الناجين التجمع من جديد في الشارع بالقرب من الثانوية لينظموا مظاهرة جديدة في اتجا المعهد الديني/ ثانوية الإمام مالك لمطالبة الدعم و التضامن معهم، الا ان بعد اقترابهم من الموقع اعترضتهم عناصر القوات المساعدة الكائنة بنفس الشارع حال دون وصول المظاهرة الى وجهتها المحددة لطلب المساندة، و حينها تحول الموقف الى المواجهة مع هاته القوات، في نفس الان توجه حمع اخر من المتطاهرين إلى إعدادية سيدي عابد لطلب الدعم لصد هجوم القوات القمعية وبالفعل نجح المتظاهرين في إخراج تلامذ الاعدادية مما زاد من حجم المتظاهرين و شجعهم للعوددة الى وسط المدينة لفك الحصار المضروب على الثانويات و تنظيم مسيرات احتجاجية حاشدة جابت عدة مواقع بالمدينة.
وفي المساء قام تلاميذ كافة المؤسسات الثانوية و الاعدادية بالمدينة بمقاطعة الدراسة وتنظيم مسيرة شعبية كبيرة انطلاقا من وسط المدينة لتجوب شوارعها، بعدما ان التحقت بها عدة مظاهرات اخرى جاءت من احياء أخرى و خاصة تلك التي تزعمها البحارة حيث رفعت فيها شعارات بالامازيغية لأول مرة “نشن مارا نحزن انقانغ ارمخزن”. و قد عمت الاحتجاجات و المظاهرات السلمية باستثناء بعض المنوشات مع العناصر القعية في بعض الشوارع والاحياء السكنية بالحسيمة، و لم يستمر الوضع طويلا حتى وصلت جحافل القوات القمعية بعد تعزيز صفوفها بقوات اضافية جاءت من الناظور و تازة، وجددت المواجهات مع المتظاهرين و بدات القوات القمعية باطلاق النار مستعملة الرصاص الحي في العديد من المواقع وسقط العديد من الشهداء مما دفع بالمحتجين الى الانسحاب من المدينة والاحتماء بالجبال القريبة بمرموشة و المناطق المجاورة لها مما يساعده على المواجهة ويعفيها من السقوط في براثين نيران الجيش، حيث شكل المنتفضون سلسلة بشرية رائعة، بعد مطاردة المخزن لهم و اعتقال و استشهاد العديد منهم.
كما شنت السلطات حملة من المداهمات للمنازل والاعتقالات الواسعة طغى عليها طابع العشوائية و الإنتقائية، وشملت العديد من التلاميذ والمواطنين الأبرياء لاجل الانتقام منهم و ترهيب الشعب، حيث كان يزج بهم في معتقلات مفوضية الشرطة بالحسيمة والثكنات العسكرية او في المعهد الاصيل الذي حولوه الى مقر احتجاز جماعي و مورس عليهم مختلف أصناف التعذيب الجسدي و النفسي، و منهم من ظل  محتجزا في هذه المراكز لعدة أسابيع، وبعد ذلك تم تنظيم محكامات صورية للعشرات منهم واصدرت في حقهم احكام قاسية، كما تم حضر جمعية البعث الثقافي و اعتقال رئيسها عبد العالي لمعلمي رفقة عبد الغاني الراقي وقد تحدثت وكالة الانباء الاسبانية عن سقوط اكثر من 100 قتيل و اكثر من 600 معتقل و مختطف باقليم الحسيمة وحدها.
و بعد تناقل الاخبارعن التدخل الهمجي لقوات القمع على الثانويات واندلاع المواجهات  في شوارع مدينة الحسيمة واتساع دائرتها لتشمل احيائها الشعبية والحديث عن سقوط ضحايا و اعتقالات عشوائية في صفوف التلاميذ والمواطنين السلميين، و خاصة بعد وصول انباء تتحدث عن استعمال الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين بحي باريو و سقوط شهداء مما دفع تلاميذ ثانوية امزورن للتظاهر تضامنا مع زمالائهم و اخوتهم بالحسيمة الا ان مدير الثانوية صحبة مجموعة من الاعوان الاداريين حال دون استمرار احتجاجهم التضامني طويلا بساحة المؤسسة صباح الجمعة 13 يناير، لذا اضطر التلاميذ الى الخروج الى الشارع مساء نفس اليوم لتنظيم مظاهرة حاشدة مع مقاطعة الدروس. الا ان السلطات العمومية قامت باستنفار قوات قمعية كبيرة  وصلت للتو الى عين المكان على متن عدة عربات، و شاحنات و سيارات الجيب ولاند روفر ذات الدفع الرباعي، و اصطفت القوات في عدة مواقع وهي تصوب اسلحتها النارية في اتجاه التلاميذ العزل اللذين كانوا يستعدون  لانطلاقتهم في تظاهرة تضامنية مع اخوتهم في الحسيمة الا ان القوات اطلقت بعض الاعيرة النارية في الهواء مما دفع بالتلاميذ للهروب الى جهة الهضاب و الجبال المجاورة في حين قامت القوات القمعية بمطاردتهم، وتعنيف واعتقال كل من صادفته في طريقها هاته القوات القمعية المشكلة من عناصرالجبش والدرك والمخازنية و رجال و اعوان السلطة المحليين، مما نتج عنه عدة اصابات و اعتقالات في صفوف التلاميذ وكذا تهديدهم بالمتابعة والاعتقال.
 و في اليوم الموالي/  السبت 14 يناير و هو يوم السوق الاسبوعي بامزورن ومعروف انه من اكبر الاسواق بالاقليم حيث يقصده العديد من المواطنين من مختلف المناطق و الاقاليم الريفية للتسوق بمختلف السلع و البضائع، وقد كان هذه المرة سوقا للاحتجاج و المواجهة مع القوات القمعية بعد ان اتجهت اليه مظاهرة تلاميذ الثانوية و التحاق العديد من المواطنين بها و خاصة بعد رفع شعار على غلاء المعيشة “عيش عيش يامسكين بطاطا  ربعة  دورو” و لم تدوم المظاهرة طويلا و هي تجوب محيط السوق الاسبوعي حتى فوجئت باندفاع القوات القمعية التي بدات في الضرب و الرفس  كل من تصادفه في طريقها  ليتحول السوق الى معركة بزنطينية إختلط فيها الحابل بالنابل، لتنتقل فيما بعد المواجهات الي باقي المواقع لتعم بلدة امزورن و خاصة المرتفعات القريبة التي كان المتظاهرون يحتمون بها من ملاحقة عناصر القمع و المقدمين و استمرت هاته المواجهات ليوم كامل لتقل حدتها مع جنوح الظلام، وقد اسفر هذا اليوم عن اعتقال العديد من المواطنين الابرياء الذين يترددون على السوق سواء من اجل التجارة او للتسوق و كذا دهس طفلة صغيرة بسيارة الدفع الرباعي “الجيب” الدرك حسب شهود عيان، كما قامت السلطات بحملة اعتقال واسعة في صفوف التلاميذ و المواطنين استمرت لعدة ايام راح ضحيتهاعشرات المواطنين الذين عدبوا وحوكموا باحكام قاسية و صلت الى 10 سنوات و على سبيل المثال لا الحصر عبد الوفي أهباض و تلميذ ينتمي لثانوية امزورن علي بولعيون الذي اختطف من منزل والديه و عذب و حكم زورا و بهتانا بسنتين سجنا نافذة.
و في مساء نفس اليوم السبت انتقلت الاحتجاجات الى بلدة تماسينت تضامنا مع اخوانهم بالحسيمة و امزورن استنكارا لما تعرضوا له من قمع وحشي على يد القوات القمعية، لتتحول بدورها الى المواجهات مع قوات القمع التي استعملت الرصاص الحي بدون هوادة واسفرالتدخل القمعي السافر عن سقوط العشرات من الشهداء و اعتقال العديد منهم و مطاردة الاخرين في الجبال المجاورة. و اصبحت بلدة تماسينت منطقة عسكرية مغلوقة غير معلنة لعدة ايام كما تم تعديب و محاكمة ابنائها باحكام قاسية تراوحت بين 20 سنة و4 اشهر سجنا نافذة في حق المحتجين السلميين حسب الجدول اسفله.
من بين اشهر المعتقلين رئيس مجلس المستشارين الحالي عبد الحكيم بنشماس بعد انخراطه في الأنشطة الطلابية، سنة 1984، وقبل أن يودع في الزنزانة 7 من السجن المحلي بوجدة، أقتيد ورفاقه الطلبة إلى أقبية سجون القوات المسلحة ببني بوعياش، والدرك الملكي بالحسيمة، وكوميسارية الحسيمة وفي مقر للقوات المساعدة بجانب عبد الصمد بنشريف وعبد السلام بوطيب أوخرون. وخاض فيما بعد مع عدد من الطلبة إضرابا عن الطعام دام 20 يوما، احتجاجا على الأوضاع المزرية للسجن، غير أن رد السلطة كان مدمرا، وأودع بنشماس بالكاشو إلى جانب 20 طالبا، تعرضوا للتعنيف والتعذيب والضرب المبرح. ولم تمر المرحلة السجنية دون أن يحمل معها حكيم بنشماس مرض السل.
yahya amin
loading...
2016-01-14 2016-01-14
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

التعليقاتتعليقان

  • Driss Menzeh

    واحد من العياشة الكبار ،الذي عرف من أين تاءكل الكتف

  • Amghari Rachi

    لأنه باع نفسه و الريف و قضيتنا

حسيمة سيتي