اردوغان يبدي “الندم” ويتراجع عن “صقوريته” ويمهد للاعتذار لبوتين الذي بدأ فرض عقوباته الاقتصادية.. حلف الناتو تخلى عنه.. وامريكا خذلته.. فما هي اسباب هذا التحول؟

هدأ غبار حادثة اسقاط مقاتلات تركية لقاذفة روسية من طراز سوخوي، وبدأت الحقائق والتبعات المترتبة على هذا العمل بالظهور الواحدة تلو الاخرى، وسط اجواء من التوتر في تصاعد، واحتقان كبير من الغضب، في الجانب الروسي حتما، يتضخم وينعكس في اجراءات انتقامية بدأت اليوم السبت عندما وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوما يعيد العمل بالتأشيرات بين بلاده وتركيا، ويوقف الطيران السياحي بين انقرة وموسكو، ويمنع رجال اعمال من توظيف اتراك، ومن المؤكد ان هذه الاجراءات هي البداية، وقد لا تكون بديلا لعمل عسكري انتقامي. الرئيس رجب طيب اردوغان بدأ يدرك انه اقدم على مغامرة او مقامرة خطيرة بإسقاط الطائرة الروسية، بعد ان وجد نفسه وحيدا في مواجهة الروس، حيث التزم جميع حلفائه الصمت، ولم يظهروا الا الحد الادنى من التضامن اللفظي، خاصة في حلف الناتو، والولايات المتحدة الامريكية زعيمته. الرسالة التي ارسلها حلف الناتو الى الرئيس اردوغان وعبرت عنها افتتاحية مجلة الايكونومست الناطقة غير الرسمية بأصحاب القرار في الغرب الرأسمالي، تقول ان اسقاط الطائرة الروسية كان يمكن تجاوزه مهما بلغت حدة الاستفزاز الروسي، وكان الاجدى بالرئيس التركي ان يتحلى بضبط النفس، لان مثل هذه الخطوات “الانفعالية” تعرقل الحملة التي تهدف الى محاربة “الدولة الاسلامية”، واذا ارادت تركيا ان تسقط نظام الرئيس الاسد فقد كان عليها ان تتحالف معها لا ان تحاربها. *** من يتابع تصريحات الرئيس اردوغان والمسؤولين المحيطين به هذه الايام يخرج بانظباع واضح، لا لبس فيه، مفاده انه استوعب هذه الرسالة جيدا، وبدأ يحاول التراجع والبحث عن سلم للنزول عن الشجرة، التي وجد نفسه في قمتها بعد اسقاط الطائرة الروسية. السبت اعرب الرئيس اردوغان “عن حزنه لاسقاط الطائرة، وتمنى ان لا تتكرر هذه الواقعة، مثلما تمنى ان تعود الامور الى مجاريها بين بلاده وروسيا، وان يلتقي نظيره الروسي في باريس الاثنين على هامش قمة المناخ التي ستعقد هناك، اما السيد نعمان كوردولوش نائب رئيس وزرائه، فقد اظهر كل مؤشرات الندم عندما قال السبت ايضا “ان اسقاط الطائرة الروسية لم يكن عملا متعمدا، ولم نكن نعلم انها طائرة روسية”. مقارنة هذه التصريحات ذات الطابع المهادن، البعيد عن الانفعال والتهديد، بنظيراتها التي صدرت في الايام الاولى للازمة التي عكست التهديد والوعيد لكل من يخترق الاجواء التركية، وتحذير الرئيس اردوغان نفسه نظيره الروسي “بأن لا يلعب بالنار”، توحي بحدوث انقلاب في الموقف التركي، ورغبة اكيدة بالتراجع واللجوء الى الحكمة والعقل، وبذل كل ما يمكن بذله من جهود لتطويق الازمة. المسألة، او الازمة، ليست طريقا من اتجاه واحد، فهناك طرف آخر، اي الروس تعرض للاهانة، وصورته السياسية والعسكرية اهتزت، في انظار مواطنيه والعالم، من جراء الخطوة الانفعالية التركية التي تركت جرحا غائرا في كبريائه، والحلول لا يمكن ان تكون مجرد “تبويس لحى” على الطريقة العربية، فالرئيس اردوغان لا يتعامل هنا مع رئيس عربي ضعيف منبوذ من شعبه، وانما رئيس دولة عظمى في حال صعود، تحدى حلف الناتو في عقر داره، واستعاد شبه جزيرة القرم الى الاتحاد الروسي، ووضع يده على نصف اوكرانيا، ومن قبلها اسوتيا الجنوبية (ثلث جورجيا)، واسقطت صواريخة طائرة ركاب ماليزية. ما نسيه الرئيس اردوغان انه يتزعم دولة تعدادها 70 مليون مسلم وصلت قواتها الى فيينا، ورفضت الدول الاوروبية قبولها في اتحادها لسبب نفسه، فهذه الدول لم تغفر له واجداده السلاطين العثمانيين احتلالهم لاراضيها، وفتح بوابات الحدود التركية لتدفق مئات الآلاف اللاجئين السوريين. والاهم من ذلك كله، ان حلف الناتو لم يدخل حربا لنصرة اوكرانيا الاوروبية الشقراء، التي تدفع ثمنا غالبا جدا من امنها واستقرارها ووحدتها الترابية لانها ارادت الانضمام اليه (حلف الناتو)، والحصول على عضوية الاتحاد الاوروبي، فهل يتوقع الرئيس اردوغان ان يدخل هذا الحلف في حرب نووية ضد روسيا بسبب انتهاك طائرة سوخوي لاجواء تركيا لمدة 17 ثانية؟ كنا من اكثر الناس اعجابا بالنموذج السياسي والاقتصادي التركي، وسياسة “صفر مشاكل” مع الجيران التي ارتكز اليها، والتزاوج الرائع والعقلاني بين الاسلام والديمقراطية، ولكن هناك من العرب للاسف من اراد تدمير هذا النموذج وجر الرئيس اردوغان مفتوح العينيين الى المصيدة السورية، تماما مثلما جروا الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الى الحربين الايرانية والكويتية. *** نشعر بالحزن والاسى عندما يهاتف الرئيس التركي الكرملين طالبا الحديث مع الرئيس بوتين ولا يجد من يلتقط سماعة الهاتف ويرد عليه، او عندما يطلب لقائه على هامش اجتماعات قمة المناخ في باريس، ويوسط الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لترتيب موعد ولا يتلقى جوابا. الرئيس اردوغان بإسقاطه الطائرة الروسية قدم اكبر هدية للرئيس الاسد عدوه اللدود، وحليفه الايراني، وحوّل سورية الى غابة من الصواريخ الروسية الاحدث في العالم، وبدد كل احلامه (اي اردوغان) في اقامة مناطق حظر جوي في حلب وشمالها. منّ يجر الدب الى كرمه بكل هذه السهولة، ويقدم له كل الاعذار، ويفرش له السجاد الاحمر بإسقاط طائرة لا يزيد ثمنها عن بضعة ملايين من الدولارات؟ نشارك الرئيس اردوغان في احزانه لاسقاط الطائرة، وتمنياته بأن لا تتكرر هذه الواقعة، وان تعود الامور الى طبيعتها مع موسكو، وان كان يخامرنا الكثير من الشك في احتمال تحقق هذه التمنيات.

عبد الباري عطوان

2015-11-29
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

التعليقات11 تعليق

  • Abdelkbir Abasi

    لماذا لن تستطيع روسيا الحمقاء الرد
    لم يفعلها اردوغان الا بعد ان اعد لها وخطط ودرس توابعها و احتوائها بعد إيصال الرسالة كما ارادها كاملة…. عشرة أسباب وأكثر تجعل الدب الروسي ضبع كسير يبكي أخطاءه
    1- حجم التجارة بين روسيا وتركيا تعدى ال 30 مليار دولار سنويا… افهم يا بوتين
    2- حجم السياح الروس وهم راغبون ويشعرون بالامان في تركيا تعدى المليون ونصف سنويا…. لن ينصاعوا لبوتين
    3- تركيا تمول روسيا بالخضار والفاكهة والمنتجات الاخرى المحرومة منها بسبب العداء مع اوكرانيا والعقوبات الدولية لها… يعني مفيش قدامه غيرها
    4- روسيا تنفذ مشروعات المفاعلات النووية للكهرباء داخل تركيا…. يعني انقاذ للاقتصاد الروسي المتعثر
    5- روسيا طامعة وتكاد تكون حصلت على مشروع خط السيل لنقل البترول في تركيا… يعني مليارات واقتصاد تحتاجها
    6- حجم التجارة مع حلف الناتو وروسيا تجاوز ال 70 مليار دولار… يعني العداء مع الناتو كارثة لروسيا
    7- روسيا تعلم علم اليقين ان امريكا تنتظر لها السقوط وستدعم اي خصم لها وتصريح رئيس مجلس الدوما واضح: المخابرات الامريكية ساعدت تركيا و تدعمها…يعني توسيع دوائر العداء
    8- اردوغان خطط للعملية وأنتظر الفرصة وقام بأكثر ما يتطلبه قواعد الاشتباك الدولي بإنذار المقاتلة الروسية 10 مرات مسجلة وتصوير رادار وأقمار صناعية بالاختراق حتى لا يترك مجال للنقد او الخطأ ويجبر الناتو وامريكا على مناصرته علانية وليس مجرد الدعم من خلف الستار لإيصال الرسالة واضحة
    9- روسيا تعلم ان العداء مع تركيا معناه بالضرورة تركيا ستدخل سوريا بثقلها اما معلنا او بإسقاط روسيا بالكامل في المستنقع السوري….وبوتين يعتبر تحييد تركيا من سوريا هدف استراتيجي
    10- اخيرا اردوغان يرتكن الي دولة ديموقراطية وشعب يعلو صوته بالكرامة وهنا لا يستطيع اي كلب حول العالم الضغط عليه لأنه يعلم عواقب الغضب الشعبي الديموقراطي في دولة ديموقراطية قوية تمتلك مقدراتها وتصنع سلاحها وغذائها ودوائها…. فلن يتجرأ احد على اللعب بالنار العثمانية
    ولهذا ارسل اردوغان الفتوة الرسالة وتلقها بوتين البلطجي و خدامه في المنطقة بوضوح ولن يجرأ حتى على الرد الا بالصراخ والتصريحات التي ينفثها ليلا لتتبخر صباحا
    أنها الدولة المحترمة
    انه السلطان العثماني الجديد

  • Abdelkbir Abasi

    min jabto had lkhabar ardogan rajal

  • Lahoucine Essoufi

    وضعوا له مصيدة مسكين كصدام حسين في الكويت

  • براهيم محمد

    ليس هناك مشكيل أن يعتدر أردغون إلى الروسي …قتلو أكثر مما قثتلوه أردغون … ,,فاعتدرروا ليس هناك مشكيل

  • Meftah Ibrahim

    Kinoo Ossamaniss tawim Rakhba amwanii .. okomi9iman illa ardogan .. sa7afa nayn franc

  • Mohamed Bouaouiouach

    هل يمكن إثبات هذا الخبر؟ و من أين أخذت هذا الخبر؟ يجب عليك إعلان مصدر الخبر أو تريدون باللعب بعقول الناس، و كل واحد يتحمل مسؤلية ما يقول و ما ينشر

  • Abdelhakim Ouhdifa El Khattabi

    إعتقد أن اللعب مع الكبار كاللعب مع الصغار،و تورط في لعبة أكبر من حجمه.
    القرد مهما تسلق الشجر عاليا لا بد أن ينزل.

  • Jamal Din Jamal

    La kdob ordogan batal yohadid kol dairat tohali9 faw9a jaw baladih kafa min icha3at wa khoza3bilat

  • Fouad Annaimi

    ليس عربيا كي يفعل ذلك.

  • Ahlam Ben

    أين هو الدليل ليس دليل مثلك

  • حسيمي.ريفي حسيمي. ريفي

    هذه إشاعاتك أنت فقط لا غير. تعتقد أنه يترك وطنيته ويستسلم للحيوان الروسي

حسيمة سيتي