التوفيق فتحي – اللامساواة مضرة بالصحة

التوفيق فتحي – اللامساواة مضرة بالصحة

هذا العنوان يذكرنا باعلانات محاربة التدخين، التي تفضح تناقض ونفاق منظومة فكرية سائدة تسمح بانتاج مسببات المرض وتصرف بعد ذلك المليارات لمحاربة نفس المرض او في احسن الحالات محاولة علاجه. في حقيقة الامر، هذا العنوان يوجز محصلة سنوات بحث علمي لعالم متخصص في الاوبئة ،ريتشارد ويلكنسون، الذي درس ميدانيا العوامل السوسيوـ ثقافية المحددة للصحة والرفاهية.

أبحاث ويلكنسون خلصت الى عدة نتائج منها اثنتين رئيسيتين: الاولى، ذات طبيعة كلية تخص المجتمع، تفيد ان اللامساواة الإجتماعية عامل اساسي في تدهور الصحة؛ الثانية، ذات طبيعة جزئية تخص الافراد، تفيد ان الفقر عامل سلبي في تحديد شروط الرفاهية.

تاريخيا ظلت قضايا اللامساواة حكرا على ابحاث الاقتصاد عموما وعلى نظريات العدالة الإجتماعية والفلسفة السياسية تخصيصا. فلقد سعت النظريات الإقتصادية،و الليبرالية منها تحديدا، إلى تمجيد الفردانية و بالتالي تبرير الفوارق الاجتماعية باعتبارها نتاجا طبيعيا يعكس تفاوت المهارات والقدرات الفردية دونما اي اعتبار لأثر الاختيارات الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية.

المقاربة الاقتصادية حولت مركز ثقل النقاش وبالتالي الاهتمامات والاولويات السياسية من محاربة اللامساواة كظاهرة اجتماعية كلية الى محاربة الفقر كتعبير فردي معزول عن سياقه…محاربة الفقر التي تتحول اليوم تدريجيا في مجتمعات مابعد الازمة المالية الى محاربة للفقراء، أي الى محاربة أعراض الظاهرة وتجلياتها الاجتماعية بدل اجتثاث جذورها وأصل منشأها. على العكس مما يمكن ان يتخيله المرء من اول وهلة، فان خفض التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية امر ايجابي ايضا للاغنياء، ان لم يكن عطفا منهم فهو لمصلحتهم الفردية. الآثار “الجانبية” المباشرة للتفاوتات الاقتصادية هو تردي طبيعة وجودة العلاقات الاجتماعية بين الفئات المجتمعية ليتم التعبير عنها بمحاكاة “المغلوب” لسلوك “الغالب” والتماهي مع وضعه الاجتماعي.

فالنزعة الاستهلاكية (ولو بانفاق ما لا نملكه عبر الاقتراض)، وممارسة العنف المعنوي والمادي، وارتفاع نسبة الامية، وارتفاع نسب الاكتئاب و الانتحار ووفيات الاطفال مثلا… كلها تمظهرات للامساواة يدفع ثمنها الاغنياء من امنهم ومن تردي مردودية مشاريعهم الاقتصادية التي تستعمل الفقراء وقودا لها.

مقارنة وضعية الولايات المتحدة الامريكية والنرويج مثلا ستسمح بتوضيح الفكرة اكثر. يمثل الاقتصاد الامريكي اليوم 37 ضعفا اقتصاد النرويج، حوالي 18 الف مليار دولار ناتجها الوطني مقابل 479 مليار دولار للنرويج. لكن هنالك اجماع عالمي (تؤكده تصنيفات وكالات الامم المتحدة والتقرير الاخير لمعهد لغاتيوم البريطاني) انه يستحسن ان تكون فقيرا في النرويج من ان تكون فقيرا في الولايات المتحدة الامريكية. فالعشرة في المائة الاغنى في امريكا يكسبون 15 ضعفا ما يكسبه العشرة في المائة الافقر، في حين لا يتعدى هذا المؤشر ستة اضعاف في النرويج. اغنياء النرويج، والدول الاسكندنافية عموما، يدفعون ضرائب اكثر بكثير مما يدفعه زملاؤهم الامريكيون ويكسبون اقل منهم.

فالمعدلات الحدية للضرائب في هذه الدول تتراوح ما بين 60 و70 في المائة في حين لا تتعدى 43 في المائة في بلد العم سام. الضغط الضريبي في هذه الدول يعتبر الاعلى عالميا، 48 في المئة في الدنمارك مثلا، في حين تتذيل الولايات المتحدة الامريكية قائمة الدول المتقدمة بمعدل 25 في المئة. عوائد هذه الضرائب تستخدم اساسا، في الدول الاسكندنافية، لتمويل القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والمواصلات العمومية ويتم استخدامها ايضا لاعادة توزيع الثروات بين فئات المجتمع بهدف خفض اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية عبر انظمة الضمان الاجتماعي.

ليس غريبا اذن ان تحتل النرويج المرتبة الاولى وفق مؤشر الرفاهية لمعهد ليغاتيوم وان تحتل الولايات الامريكية المرتبة الحادية عشرة. تشريح المؤشر في مكوناته يبين ان النرويج تتفوق على الولايات المتحدة الامريكية في أغلب المكونات الجزئية:

الاقتصاد (المرتبة 2 مقابل 11)، الامن (8 مقابل 33)، التعليم (5 مقابل 9)، الحرية الفردية (3 مقابل 15)، الرأسمال البشري (2 مقابل 11).

المكون الوحيد الذي تتفوق فيه امريكا على النرويج هو الصحة (1 مقابل 4) والذي يؤشر على حدود استعمال تقنية “المؤشرات” أكثر مما يدل على فعالية حقيقية للنظام الصحي الامريكي. قراءة الملاحق المنهجية لتقرير ليغاتيوم (ص33) تسمح بفهم هذه النتيجة اللامنطقية التي تعود اساسا الى ادماج متغير “مستوى نفقات الصحة” في حساب المؤشر. الولايات المتحدة الامريكية والنرويج نموذجين مختلفين لاقتصاد السوق، إنه تدافع بين نظرة تمجد “السوق” كحل امثل ووحيد لصياغة حياة الإنسان المنتج والمستهلك وتضع المسؤولية كليا على عاتق الفرد وتقصر دور الدولة في ممارسة “القمع المبرر”، ونظرة تعتبر الإنسان وعلاقاته الإجتماعية “مركزا” تسخر لهما كل الإمكانيات المادية في توازن إرادي بين احتياجات وحقوق الفرد وإكراهات العيش داخل مجتمع، مع اسناد دور فعالللدولة يجعلها الضامن لرفاهية الكل وليس فقط لامنهم… فهل من متعظ؟

2015-11-06 2015-11-06
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي