خميس بتكمنت يكتب نوسطالجيا الاعياد الريفية

خميس بتكمنت

نوسطالجيا الاعياد . ـــــــــــــــــــــــــ الاستعداد لذاك اليوم يتطلب ايجاد مكان شاغر على كرسي الحلاق الذي اتخذ من الخيمة صالون حلاقة تتنقل على مدار الاسبوع على الاسواق الاسبوعية ؛ كرسيه خشبي منصوب قبالة عَمّادة العرعار المنتصبة وسط الخيمة و المربوطة بالاوتاد الاربعة ، بمجرد الجلوس على الكرسي يشرع في حصاد محصول الرؤوس و هو يدندن اغانيه الغير المفهومة ليصمت برهة و هو يضع المقص و يمد يده للسبسي المركون وراء المرآة المستترة وراء محفظته السوداء ؛ يملأ الشقف بالكيف فيستنشقه بشغف ليواصل الطواف حول كرسيه الذي اتخذ منه كعبته الخاصة ؛ لدغات مقصه الذي نال منها الصدأ كانت محطة ليبرهن عن وداعة مزيفة لينسينا ألم فعلته فيبدأ في لعنها مؤكدا انها لاول مرة تفعل فعلتها تلك ، نحن ندرك انه يكذب و ندرك اننا تحملنا لدغاتها من قبل لكن لا سبيل للصدح بالحق إذاك ؛ قد يوقف تحليق الرؤوس لمرات لمزاولة مهنة التطبيب ، ليتحول من حلاق الى مختص اسنان عندما يقصده احدهم يئن ألما واضعا كفه على فكه يشكي له ألم سَن اوقدت جهنم في فاهه ، فيهرع لحقيبته ليستخرج ملقاطا يدوره بالسن المعتلة قبل ازالتها ، فيمد له زبونه دراهم يدسها في جيبه دون عدها مكتفيا بالقول ” اللايشافي اسيذي ” فيعود ليطوف برأسنا قبل ازالة لحاف حريري يحجب التصاق شعرنا المحصود بأقمصتنا الغير المصبنة فندرك انه انهى عمله و هو يبوح “ببصحتك ” ،نطلق سيقاننا للريح كالسهم لنصل للبيت في اقصر المدد لنستمتع برؤية هيأتنا الجديدة.

  في الليل تنثر الام حبات ملح في أرجاء ركن يستخدم للاستحمام لطرد الشياطين التي يقال انها تختبئ في ثقب مخرج ماء الحمام متربصة باحدهم لتضربه بسوط سحري يُعوج فاهه و يجعله ينفتح صوب الرقبة او ادنى منها ؛ فتمد يدها لإبريق معدني تملؤه من دلو الماء الدافئ المحطوط جنبها ، فتبدئ معركة تحريرنا من اتربة الحقول و المسالك التي نجعل منها مرافق رياضية ، للاستحمام نكهة خاصة تمتزج باحتجاجات تضررِنا من حرارة الماء فتلطفه الام بالبارد فنحتج انه بارد اكثر من اللزوم و لا يتوقف التنديد الا بعد سلسلة لطمات على الخدود تضع حدا لشغبنا و تفسح المجال للام لتبدأ في اطرابنا بأغاني لالابويا فنبقى مذهولين من اختراقها للقانون فهي من قبل تحضنا على عدم التحدث في الحمام مستشهدة بحديث نبوي سمعت عنه و لم تعد تتذكره و كل ما تعرفه ان الحديث في الحمام بصوت مرتفع حرام مطلق و ها هي الآن تُحل ما حرمت من قبل و لعل اغاني رالا بويا اكبر من حصرها في خانة الحلال و الحرام .

  بعد ذلك نهرع للفراش مدعين ان التعب نال منا ، لم نكن متعبين بقدر ما اردنا ان نختلي بملابسنا الجديدة و تجريبها ليلا قبل حلول صباح العيد ، فنلبس و ننزعها لنعيد تجريبها من جديد حتى نغفو و نخر في نوم عميق وحدها صيحات الصباح الاولى و قرقبات الاواني من توقظنا منه ، لنشرع إذاك في الاستعداد للمهمة التي انتظرناها لشهور ؛ ندعي ان لا شهية لنا لتناول الفطور لكسب الوقت و تقريب موعد تدشين لباسنا ، و بمجرد ما نلبسها نرتد عن ادعاءنا و نعلن رغبتنا في تناول فطورنا فيبدأ وعيد الام تتوعدنا بالعقاب ان أضررنا بالباس الجديد بسكب الشاي او زيت عليه ، ننطلق الى الديار لتقديم التهاني و بعد كل خطوة نتوقف الهنيهة للتأكد ان الهندام لم يمسسه ضر او نعاين احذيتنا الرياضية التي تشتعل مصابيحها بمجرد ان تطأ ارجلنا الارض فنسبح لله مستغربين من هذا العجب الذي يتوقد تحت الاقدام مع كل خطوة و ينير ، نصافح كل من نصادفه في طريقنا و أعيننا مثبتة على اياديه مترقبين ان يدسها في جيبه ليمنحنا نقود العيد ؛ إن فعل نثني عليه و ندعو له بطول العمر و ان لم يهبنا شيء ندعو الله في قرارة انفسنا ان يوقف حياته بحادثة سير فهو يعلم اننا نريد المال و نحن نعلم ان المال في حوزته و لا جزاء له الا الموت بعد تحاشيه ايفاءنا بما نريد.

نصل لبيوت الاعمام و الاخوال و نلوك ما تيسر من الحلوى فنعقد العزم على رغبتنا في الانصراف لتعجيل اختبارهم على احتمال اعطائنا المال ، ان فعلوا ندعي ان الام تبلغهم تبريكات العيد و نقبل اياديهم ، و ان تحاشوا ذلك ننصرف عبوسين بمصافحة باردة حالفين بأغلظ الايمان ان لا نعيد زيارة جدبوهم في العيد الموالي ، و بين المسير من بيت لبيت نتوقف لعد ما في حوزتنا من مال و نطلق الخيال لمشاريع نستثمر فيها ما جمعناه ، فنعقد العزم على شراء دراجة او الذهاب لمخيم ما في العطلة الصيفية ، كل مشاريعنا تنهار بعد عودة الاياب للبيت بسؤال ” شحال عطاك فلان و شحال عطاتك فلانة ” فنضرب اخماسا في اسداس و نخبئ قسطا من المال بينما نهب الباقي للام قصد ادخاره ، ننزع ملابسنا في العشي و نعرض تقاريرنا الاستخباراتية عما عايناه في البيوت التي زرناها و غالبا ما نتصنع احداثا وهمية اذ ان الاحداث الحقيقية فاتتنا و نحن مركزين إذاك على المال و قد نلفق تهما لمن لم يعطينا المال و ندعي انه كان ينظر لنا باحتقار و لم تسعده زيارتنا ، كل ذلك فقط لايقاد مشاكل في مجالس النساء قد تجعلهم يغيرون رأيهم في العيد الموالي لتفنيد تهمة عدم استحبابنا التي ألصقناها بهم زوراً .

و بعدها نسقط مغشيا علينا من التعب و نغرق في نوم عميق بعد المغرب بقليل ، نتجرد من ملابسنا التي لن نلبسها الا بعد عودتنا للمدرسة فنتباهى بها امام الزملاء بدعوى انها لا زالت تحمل ” ريحة لخاريج ” و بأثمنتها الباهضة التي نحددها نحن و نرفعها كلما افصح احد ما عن ثمن اكبر مما حددناه لزملائنا الاولين و بعد العودة في المساء من المدرسة نتجرد منها و يتم حفظها الى حين دعوتنا لمناسبة عائلية لنعود الى أسمالنا القديمة مكرهين و في كل حين ندعي انها ضيقة نوع ما لنصطنع اسبابا وهمية علها تنجح في الإسهام في اتاحة إلباسنا لملابس العيد و نادرا ما تنجح مخططاتنا فالكبار يدركون اننا نناور لا غير فيتمسكون بمبررهم ان “ممنوع تصرفنا فيها الا في حالة المناسبات و فقط “

2015-09-26 2015-09-26
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي