عاصم العبوتي- حب مع سبق الاصرار و الترصد

عاصم العبوتي- حب مع سبق الاصرار و الترصد

سرقتُ أحمر الشفاه وتواريتُ عن الأنظار حتى لا تترصدني عيون أمي، كان السطح ملاذي الأمن لكنْ كنتُ أخشى أن يكتشفوا أمري، مددتُ القميص الأبيض على الأرض، وكتبتُ اسمكِ، كانت الشمس من أعلى تلحفُ رقبتي، يتعرقُ بدني مع كل حرف، أعيدُ تمرير أحمر الشفاه على كل الحروف حتى يبدو داكنا أكثر، أنهيتُ الكتابة بعد دقائق لأنشر القميص على السلك بقباضتين، بقيتُ أحرس القميص حتى يجف”العكار”، لبستُ القميص من الداخل وبذلتي الرياضية من الخارج، لم أبالي بفرط الحر في ذاك اليوم، أدركتُ وقتها أن الحب أعمى.

لم أبصر أبي وهو عند عتبة الباب، تخطيته وتدحرجتُ على الطريق ككرة دائرية حتى وصلتُ إلى مكان وقوفهاَ، كانت الساعة تدغدغ الواحدة زوالا، المكان خالي إلا من دخان شواية سردين يتيمة على مجمر حديدي غير تقليدي، كنتُ أتعرقُ كمن لعب تسعين دقيقة من مباراة للريكبي، تقرفصتُ على رصيف المقهى، في الداخل يجلس “امحمدْ” يمجُ سيجارته الشقراء وخلفه يغط “لهادي” في نومٍ عميق وفي الركن يحاول “ذْريسْ” جاهدا أن يثبتَ شقف السبسي في مكانه، كانت أفواهم فارغة في مشاهدة فيلم هندي، البطلة تقتربُ من البطل، في اقترابها تشحذ العيون، خشوع رهيب ولحظات مهيبة، يكاد “حْمدان” يلامسُ بشفته شاشة التلفاز، لعاب يسيل من ثغر “حميدو”، كنتُ واقفاً أشاهدُ احداث الفيلمين، شاركني النادل الفرجة الحية المباشرة، قبل أن يُقبلَ البطل عشيقته انتقل المخرج إلى لقطة أخرى في منزل مهجور، قام “ذْريسْ” من مكانه يلعنُ المخرج والتلفاز وحتى النادل والباطرون نالوا نصيبهم من اللعناتْ، كدتُ أحظى بحقي من اللعنات حين حاولت تهدئته، اختفيتُ عن أنظاره واقتعدتُ حافة رصيفٍ مقابل لرصيف وقوفها تنتظر الباص..أعدُ الدقائق والثواني والأجزاء..

  بعد مضي نصف ساعة وربعها كانتْ تنحني لتربط خيط حذائها، استقامت لتعدل رافعة ثديها وتلعب بخصلات شعرها المنسدلة على كتفيها وكأنها تستدرجني، فكرتُ أنها لا تحبني ولن تحبني، لكن لما تهتم لأمري وتسأل عني؟ ربما لأني أحبها، تقول أمي أن الفتاة تتزوج الذي يحبها لا الذي تحبه، ربما تتحدثُ عن السبعينات وبداية الثمنينات، لم أنتظر إلا دقائق سبع من وصولها، جسلت على كرسي بلاستيكي أبيض، وصديقتيها جالستين معها يتهامسن، جئتُ من الجهة الأخرى حتى لا تشك في تحركاتي، اختفيتُ في المنعطف الأول والثاني، وصلتُ إلى حيث كانت تدير لي بظهرها، نزعتُ البذلة فيما كانت هي تهم بالدوران بعد أن نكزتها صديقتها تُعْلمها بوجودي، قبل أن تتقابل عيني مع كهفيها الأمنَين كنت أدير بظهري، كان الاسم واضحاً بارزاً، فيما هي لحد الانْ لا تدركُ كيف لشخص خجول أنْ يفعل هذا. إنه الحب، لكنها لم تدرك هذا، ولن تصدق أن ابن الثلاث عشرة سنة سيتصرف هكذا لأجل أن يعبر عن حبه العميق.!

2015-08-30 2015-08-30
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي