عبد الله الدامون-من يفهم العرب؟

عبد الله الدامون-من يفهم العرب؟

من يفهم العرب؟ لا أحد تقريبا، فهم أمة جُبلت على التناقض والغموض، قوم ظهر فيهم الإسلام فحاربوه، وأعطتهم السماء الكثير من المال والغنى فعبثوا به، وأعطتهم القدرة الإلهية عقلا عبقريا فوظفوه في الشعر، وعاشوا في أكثر بلاد الله خصوبة، فاستوردوا غذاءهم بالكامل، وجُبلوا على الصرامة والقسوة، لكنهم مجرد نعام تنقاد لأول سائس. العرب هم العرب في أي زمان وأي مكان. في الماضي خاضوا حروبا رهيبة بسبب ناقة، وها هم اليوم لا يزالون يخوضونها من أجل أشياء أتفه من ناقة. في الماضي كانوا بلا حدود سياسية، فتنازعوا على نبع ماء، واليوم تفصل الحدود بينهم، فيتنازعون على السحب في السماء. كان العرب قبل الإسلام يُسمّوْن بعرب الجاهلية، وبعد الإسلام صاروا يُسمّوْن بعرب الإسلام، وها هم اليوم أجهل من عرب الجاهلية، بل أجهل من الجهل نفسه، وينتظرون نبيا آخر يعيدهم إلى إسلامهم الأول. العرب أغنياء.. أغنياء جدا، لكن المشكلة بسيطة جدا وخطيرة جدا، وهي أن نقطة النون في كلمة «أغنياء» تسقط سهوا من فوق النون إلى تحت الباء فيصبح العرب أغبياء.. أغبياء جدا. وهم فعلا كذلك لأن الله لم يخلق، إلى حد الآن، قوما بكل هذه النعم والامتيازات، ومع ذلك لا يزال العرب يقبعون في أسفل سلم البشرية، أسفل قليلا من أكلة لحوم البشر في الأدغال. العرب يشبهون سكان كواكب بعيدة، غريبون ومثيرون ومتعبون ومتناقضون، تارة يبدون كبدو لم يغادروا أبدا واحاتهم المعزولة في قلب الصحراء، وتارة يبدون كأنهم غزوا القمر. يركبون «الفيراري» واليخوت الفارهة والطائرات الخصوصية المُبهرة، لكنهم يصرفون أقل من صفر في المائة على العلوم في بلدانهم. يلوكون شعر الحماسة والأُخوّة ويغدر بعضهم بعضا ليل نهار. يرددون بأن الجنة تحت أقدام الأمهات ويضعون النساء تحت أقدامهم أو يجمعوهن سبايا فوق أفرشتهم. لا فرق بين أن يكون العربي غنيا وغبيا في الوقت نفسه، فالمسألة تتعلق بنقطة مجنونة تارة ترتفع وتارة تسقط، لذلك فإن ثريا عربيا يمكنه أن يدفع ملايين الدولارات لمغن مثل مايكل جاكسون لكي يغني له بضع ساعات، أو أقل، في بهو قصره. قطر فعلت شيئا شبيها لإقامة حفل جاكسون في بهو قصر. لقد صرفت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من أجل استضافة مونديال 2022، ولا أحد يعرف لماذا كل هذا الجنون من أجل استضافة كأس العالم في بلد تجرى فيه مباريات الكرة في ملاعب فارغة… لا أحد يفهم العرب.. حتى العرب أنفسهم.

  مونديالات الكرة تنظّم في بلدان بها سكان كثيرون ودوريات رفيعة للكرة وفصول طبيعية معتدلة وملاعب عملاقة تزدحم بالمتفرجين حتى لا يبقى فيها مكانا لإبرة. لكن قطر قررت أن تنظم المونديال، وأن تغير موعده من الصيف إلى الشتاء، وأن تصرف أموال قارون في بناء ملاعب ستبقى فارغة بعد المونديال، بينما يقال إن غزة ستحتاج إلى خمسين سنة لإعمارها بعد آخر عربدة إسرائيلية. لكن ما شأن العرب بغزة؟ العرب عربان، عرب قحطان وعرب الروم. في الماضي كانت فلسطين من عرب العجم ثم تعرّبت، لذلك فإن العرب العاربة لا يحتفظون بكثير من الود للعرب المستعربة، بل يحسون بأنهم أكثر قربا إلى أبناء عمومتهم اليهود منهم إلى عرب مشكوك في عروبتهم. وفي الإمارات عرب إلكترونيون اكتشفوا أن العروبة الحقيقية لا هي شعر ولا سوق عكاظ ولا حروب داحس والغبراء، العروبة هناك هي أن تنفق المال بطريقة أسرع مما حصلت عليه، وعندما لا يجدون الوسيلة الأفضل لذلك يبتكرون أشياء غريبة.. غريبة جدا.. يبنون الجزر بالرمل ويتطاولون في البنيان، لكن بما أن كل ذلك لا يكفي لصرف كل تلك الأموال الرهيبة، فإنهم قرروا مؤخرا أن يستكشفوا المريخ. ياه..! من تخيل يوما أن العرب، الذين لم تكن أحلامهم تتجاوز أرنبة أنوفهم، سيذهبون بعيدا، بعيدا جدا.. إلى المريخ؟ ومن كان يتصور أن هؤلاء العرب، الذين تعشش الأصفار فوق رؤوسهم كما يعشش «بلاّرج» في أعلى صومعة، سيقررون يوما ترك صحاريهم والانطلاق بعيدا.. بعيدا جدا.. إلى كوكب المريخ.

  الإمارات «ستصعد» إلى المريخ سنة 2020، أي قبل سنتين فقط من استضافة قطر للمونديال، وهؤلاء هم العرب الذين قال فيهم الشاعر: يا أمة ضحكت من جهلها الأمم. العرب قوم مذهلون فعلا، من خيام صغيرة تائهة في الصحراء إلى الوصول إلى المونديال والمريخ. قوم فشلوا في اكتشاف أنفسهم فقرروا اكتشاف كوكب بعيد.. بعيدا جدا.

loading...
2015-08-28 2015-08-28
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي