سعيد بودبوز- الثقافة العربية بين الصوت والسوط

سعيد بودبوز- الثقافة العربية بين الصوت والسوط

سعيد بودبوز

ليس من قبيل الصدفة أن تجد كلمة “الصوت” قريبة من كلمة “السوط” في لغة العرب، فإن للصوت في لا وعي الإنسان العربي التقليدي دور السوط نوعا ما، فكما يستعمل صوته المرتفع في جلد الآخرين، يتفادى سماع أصواتهم بدل أن يركز على مضامين كلماتهم، وبذلك يتحاشى نبرات الصوت كما يتحاشى ضربات السوط. إن حسن الاستماع- بالنسبة إليه- هزيمة؛ أي إذا استمع إليك حتى تكمل كلامك بهدوء، فقد يشعر بأنك هزمته، ولهذا يجب أن يقاطعك دائما، بل حتى وإن لم تتيسر له مقاطعتك، فمن النادر أن يسمع كل ما تقول، والمشكلة أن لهذه الظاهرة تأثيراً عكسياً، إذ أن من لا يسمع إلا صوته، يواجه صعوبات مزمنة في إسماع صوته للآخرين. لذلك أعتقد أن على الإنسان العربي التقليدي أن يضغط قليلاً على فراميله، وأن يدرك بعمق أن الإنسان المتحضر والمتقدم لا يحبذ كثرة الصراخ والإسهاب في الكلام، وإنما يميل كثيراً إلى الصوت الهادئ والكلام المختصر. إن رصد الواقع الكلامي على مستوى البيئة العربية والإسلامية، يمكن أن يجعلك تتصور بأنه قد يأتي يوم يستغني فيه الإنسان العربي كلياً عن حاسة السمع، لأن الحاسة، أو العضو الذي يتم إهماله لفترة طويلة، لا يفتأ يذبل ويتضاءل حتى يتلاشى. فلو كان الإنسان العربي يسمع بما يعادل ثلث ما يقول، فلربما كان في أفضل حال، و لكنه للأسف، كثير الكلام، صاخب الصوت، فلا يكاد يسمع إلا صوته، ولا يكاد يفهم إلا كلامه. أنظر إلى البرامج التليفزيونية السياسية وغيرها، حيث تترافع أصوات المتحاورين ارتفاعاً، وتحقوقف كلمات هذا حول كلمات ذاك، بحيث لا يمكنك أن تفهم عماذا يتحدثون، وماذا يريدون أن يقولوا بالضبط، فلو ترسخ في ذهن كل من المتحاورين الإيمان بأن تأثير الكلمة في مضمونها لا في صوتها، لما كان هناك داع للكثير من الهرج والمرج. حتى ولو كنت تعاني من ظلم مبين، فقد يصعب عليك إقناع الإنسان المتحضر بقضيتك، مادام صوتك صادحاً صادعاً، ولعابك سيالاً، وعيناك حمروين، وشرايينك تكاد تنفجر غضباً وتشنجاً، لأنك بهذا توحي له وكأنك تريد إقناعه بقوة صوتك، وليس بمضمون كلامك، وهنا يلتقي الصوت بالسوط. أي أنك في الواقع تبدو له جلاداً وليس ضحية. لقد غابت عن الكثير من العرب والمسلمين قاعدة أن “مازاد عن حده انقلب إلى ضده”. ففي العالم العربي والإسلامي، للأسف، بلغت المبالغات حدا يكاد يكون كافياً لصرف الأسماع الجادة عن كل ما يقال عبر منابرنا، حتى أصبحنا نواجه مشكلة حقيقية في مخاطبة الآخر ومحاولة إقناعه. لأن هذا الآخر قد تعود على أننا أمة مجاز ومبالغات والصوت المرتفع ليس إلا، ومن الصعب أن يقتنع بأننا نعاني 5 بالمأة مما نشكو منه فعلاً. لنبسط الأمور قدر المستطاع؛ إذا تعلم الإنسان كيف يخفض صوته، وكيف يصغي لما يقوله الآخرون، قدر تعلمه كيف يتحدث، فعند ذلك سيكون قد وضع خطوته الأولى نحو الديمقراطية الصحيحة المنبثقة من أعماقه، وليس من أقصى الأرض. لأن تعلم الإنسان كيف يصغي، سيمكنه من تقبل الرأي الآخر. وإذا تعلم كيف يقبل الرأي الآخر، فمعنى ذلك أنه سيقبل التعددية السياسية وغيرها. وإذا قبل تلك التعددية، فلن يبقى هناك خطر الوقوع في الحروب الأهلية. لأن العودة إلى روح الكلمة، بعد التركيز على جسدها، سوف يرسي قيماً ثمينة للحوار، بل سوف يسحب-إلى حد بعيد-المواجهات الجسدية في الشارع ويضعها على طاولة النقاش، إذ كيف لشخص أن يشهر سيفاً إذا شعر أخيراً بأن لكلماته تأثيراً فعالا في خصمه؟. إذا تعلم الإنسان كيف يخفض صوته، فسيتعلم من حوله كيف يقترب منه كي يسمع ما يريد قوله، والعكس صحيح؛ كلما كان الصوت مرتفعا، كلما رغب من حولك في الابتعاد عنك حتى لا تسبب لهم صداع الشقيقة أو ما شابه. فما أجمل أن يقترب الناس منك، ويخفضوا أصواتهم، كي يسمعوا كلامك. إن احتكام الإنسان إلى المواجهات البدنية في الشارع، كثيراً ما يكون مسبوقا بتحكيم شكل الكلمة بدل مضمونها، ولا تفتأ الكلمة، في هذه الحالة، تفقد قيمتها الروحية لصالح قوتها الصوتية، حتى يفقد الناس رشدهم، ويحل النزال محل الجدال. لماذا بتنا نرى بشاعة القتل في عالمنا الإسلامي تفوق أية بشاعة في هذه المعمورة؟ من الملحوظ أن القتل البشع يتم ارتكابه في المجتمع الذي لا يؤمن بالحوار، أو بالأحرى، لا يؤمن بأن للحوار قيمة غير قوة الصوت، ولهذا لا يكاد يفهم إلا لغة السيف. ما معنى أن تكون إنساناً عديم الكلمة؟ معناه أن تكون كثير الوعود والعهود، وقليل الصدق والوفاء. وما معنى أن تقطع وعوداً ثم تنكث بها؟ معناه أنك أصدرت “الصوت” وصادرت “الكملة”. وهذا يعني في العمق أنك تفصل الصوت عن الكلمة، أي “تقتلها”، كما يتم الفصل بين جسد الإنسان وروحه. فعندما يكثر الكذب، والنفاق، والخيانة، وعدم احترام “روح الكلمة” إجمالاً وتفصيلاً، يصبح المجتمع صاحب لغة ميتة لا تؤثر فيه ولا في غيره. وهكذا ينتقل المجتمع من التحاور إلى التناحر. من كثرة انتشار الغدر والكذب والنفاق والخيانة، نرى العقوبات تتعاظم، على سبيل المثال قطع الرؤوس؛ معروف أن البلدان المتحضرة لا يحدث فيها عادة مثل هذه الفظائع، وإن حدث فنادرا جدا، وفي ظروف قد تكون مرضية. أما في عالمنا العربي الإسلامي، فإن قطع الرؤوس أصبح مسألة عادية، بحيث أنا كثيرا ما نرى بعض الجماعات تبحث عن فنون أخرى أشد بشاعة، كحرق الناس أحياء، أو غرقا، أو غير ذلك مما لا يخطر على بال إنسان سوي. إن قطع الرأس مثلا لا يخلو من الرمزية، فمن بين ما يدل عليه، أنه ببساطة يدل على “الفصل” بين الإنسان وأفكاره، كما يرمز قطع اليد إلى “الفصل” بين الإنسان وعادة السرقة. وكما أن السرقة تعني “فصل” المسروق عن صاحبه الشرعي، كذلك الفكر الذي يؤدي إلى قطع الرأس في الحروب السياسية، يعني- بالنسبة إلى الخصم- “فصل” الكلمة عن روحها، إما عن طريق الخيانة، أو العمالة، أو غير ذلك مما يدخل فيه الكذب والنفاق. إن لهذا الإبداع في التنكيل أسباباً تتمثل في انتشار الكذب والغدر والنفاق بالدرجة الأولى، وهذه الأفعال تدل على نهاية قيمة الكلمة. إذا كنت في مجتمع يقيم وزنا للكلمة، فبإمكانك أن تعاقب مخطئا بكلمة واحدة جارحة قاسية، بإمكانك أن تجعل وجهه يحمر وتتعاقب عليه ألوان الحرج، هذا لأنك في مجتمع تعمقت فيه قيم الكلمة، أما في المجتمع الذي يعاهدك الشخص خمس مرات في اليوم، ويخون عهده عشر مرات، فمن الطبيعي أن تموت فيه روح الكلمة، وإذا ماتت الكلمة، فمن الطبيعي أن يصبح السيف هو الكلمة الفصل. وينبغي أن نلاحظ القارئ بأن ارتفاع الصوت يدل على انخفاض قيمة الكلمة على كل حال. إن الشعب الذي يفعل أكثر مما يقول، إنما يقتصد في روح الكلمة، ويحفظ لها قيمتها وهيبتها، أما الشعب الذي يقول أكثر مما يفعل أضعافا مضاعفا، فمن الطبيعي أن ينهي قيمة الكلام مبكرا، ومن هنا يبدأ التدرج الشيطاني في ابتكار وسائل الإقناع بالقوة بدل القيمة. كلنا نعلم أن بعض البلدان المتقدمة، رغم أنها لا تعتمد عقوبة الإعدام، إلا أن الإجرام فيها أقل بكثير حتى من بعض البلدان التي تطبق فيها تلك العقوبة، قد يصح التساؤل حول “لماذا ألغيت عقوبة الإعدام في المغرب؟”، ولكن لا يصح القول بأن فرنسا مثلاً مخطئة إذ ألغت عقوبة الإعدام، ذلك لأنه لا مجال للمقارنة بين الشعب المغربي المتخلف، والشعب الفرنسي المتحضر. لأن الواقع الاجتماعي في فرنسا قد أثبت بأنها لا تحتاج إلى تلك العقوبة، وأن معظم الناس هناك يقدسون الحياة، أما المجتمع المتخلف، الغارق في ظلمات الجهل إلى حد الهمجية أحيانا وفي بعض المناطق، فإن عقوبة الإعدام فيه ضرورية، لا بل إن بعض الأنظمة الحريصة على التقليد الشكلي للدول المتقدمة، قد ثبت فيها خطأ إلغائها النسبي لهذه العقوبة، إذ مادامت أغلبية شعبها أمية جاهلة لا تفكر إلا بالغرائز، فإن في القصاص حياة لأبناء وبنات مجتمع كهذا. الخلاصة أن الزواج كلمة، والطلاق كلمة، فإذا ماتت الكلمة، مات المجتمع، وعاش الأفراد منفصلين عن بعضهم. إن في رفع الصوت خفضاً لقيمة الكلمة، ***

loading...
2015-08-28 2015-08-28
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي