سبعة أشهر هو عمر الحكومة اليونانية التي أعلن رئيسها استقالتها يوم 20 غشت بعد فقدانه الأغلبية البرلمانية خلال التصويت على خطة الإنقاذ الثالثة ، في فترة الحكم هذه خاض حربا ضروسا ضد الترويكا  قبل أن يقرر طرح الخطة  للاستفتاء الشعبي الذي رفضها بنسبة 61 بالمائة ، وهي نسبة كافية لدعم موقف رئيس الحكومة في المفاوضات ، ولمنحه القوة والأمل ليستمر في شد الحبل مع دائني بلاده أطول فترة ممكنة ، ويحافظ  بالتالي على القوت اليومي والخدمات الأساسية  للشعب ، وفي نفس الوقت  يجنب اليونان إعلان حالة الإفلاس للمرة الخامسة في تاريخ البلاد _3 مرات في القرن 19 ومرة واحدة في 1932_ ، وفي الأخير كانت الماكنة الألمانية وتنانين بروكسيل أقوى وأشرس منه ، حسموا المفاوضات لصالحهم : إما الشروط المجحفة أو الخروج من منطقة اليورو ، هذا الحسم جعل تسيبراس يعلن للشعب مكرها لا بطلا قرار قبوله خطة الدائنين ليجنب بلاده خطر سكتة قلبية …

إنها باختصار شديد أهم محطات  فترة حكم حزب سيريزا لليونان ، والتي قضاها تسيبراس في مفاوضات ماراطونية انتهت لصالح القوى المتحكمة في السياسات المالية لدول أوروبا والتي تخدم رأسمالية هذه الدول  وليس مصالح شعوبها..

إلى هنا الأمور عادية والمسار يبدو طبيعيا ، وكل ما يهمنا من سرده هو اعتماده كأرضية لإجراء مقارنة جوهرية بين ردود فعل السياسيين الذين يحترمون أنفسهم وإرادة الشعوب التي يمثلونها ، وبين ردود فعل السياسيين المغاربة الذين تناوبوا على مناصب المسؤولية في المغرب ، ويمكننا اختصار هذه المقارنة في ثلاث محطات مهمة :

الأولى بعد بدء تسيبراس مفاوضاته مع دائني اليونان قرر طرح الخطة للاستفتاء حتى يحظى بتأييد الشعب ولا يتخذ أي قرار بعيدا عن إرادته ومصلحته .. عندنا يتخذ وزراء حكوماتنا الموقرة قرارات مصيرية قد تمس قوت يومه وترهن مستقبل الأجيال القادمة دون أي اعتبار لإرادتنا ، بل نكون آخر من يعلم ثم  يخرجون إلينا بعد التوقيع  بإعلان  بارد وكان الأمر لا يعنينا كشعب .

الثانية حين قبل تسيبراس خطة الدائنين الثالثة اعترف بشجاعة نادرة بأنه اضطر للتوقيع على نص وثيقة لا يتفق مع مضمونها وهو في ذلك يتحمل كامل مسؤوليته أمام الشعب … على الأقل اعترف بعجزه عن مقاومة دائني بلاده ولم يلجأ إلى خطاب التبرير والتطبيل والتهليل للخطوة الشجاعة وغير المسبوقة كما هو حال مسؤولينا الأشاوس عندما يرهنون مصيرنا بيد مخالب مدام كريستين وينفذون وصاياها بحذافرها ، حتى ليخيل لنا أحيانا أن أحدهم ينشد قصيدة في القرارات السديدة للحكومة الرشيدة التي تخرج إلينا بتبريرات مخجلة وأعذار أقبح من زلاتهم ، من قبيل أننا كشعب لا ندرك الهدف الحقيقي من وراء هذه القرارات وبأننا لن نلمس نتائجها الإيجابية إلا على المدى البعيد…

الثالثة والأخيرة في ولاية تسيبراس، فبعد أن فقد تأييد الأغلبية البرلمانية لم تخنه شجاعته ليعلن استقالته ويدعو إلى انتخابات مبكرة ، لم يتمسك بالكرسي ضدا على إرادة الشعب كما يفعل رؤساء الحكومات في المغرب ، حتى الذين خرجوا من صناديق نظيفة لم تكن  لأحدهم الجرأة أن يغادر كرسيه قبل انتهاء ولايته رغم أن الأسباب الداعية لذلك لا تعوزهم.. الكرسي أو الموت دونه .

عليهم أن يتعلموا أبجديات السياسة التي هي فن نبيل لإدارة مشاكل الواقع وأن الديموقراطية هي عصب الدولة الحديثة ، وهذا ما تقدمه لهم تجربة تسيبراس على تعقدها وحساسيتها ، عليهم أن يتعلموا ثقافة الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه بدل الغوص في مستنقع التبريرات الساذجة أو “تخراج العنين”..

إما أن يستوعبوا الدرس ويقتنعوا أن الشعب الذي يحملهم إلى كرسي السلطة  من حقه أن يحاسبهم وأن يستشيروه في قراراتهم المصيرية أو يرحلوا ..

هذه البلاد لنا جميعا وليست مزرعة ورثها أحدهم عن جده