عاصم العبوتي – الحسيمة تسكنني ولكن.!

عاصم العبوتي – الحسيمة تسكنني ولكن.!

بتُ الأنَ أكثر لهفةً لأكتبَ عن الحسيمة، أصبحتُ أجدُ راحتي في تقمص دور الكاتب، قدْ لا تطاوعني المفرادات وقدْ يخونني النفس اللغوي في ترويضِ الكلماتْ، لكني مصمم أنْ أكتبْ، إن الكتابة شفاء من داء السخط الذي يعتريني، أراني في هذه الأيام الخوالي أكثر رغبة في معانقة هذا الحاسوب القديم الذي يطاوعني مرة ويخذلني لمراتْ وقبلَ أنْ يعلنَ موته الأخيرْ سأستغلُ الفرصة لأصب جام غضبي وفرحي وحماسي على جدار أبيض يحاط به فسيفساء أزرقْ.

إني على مشارفِ أنْ أخرج إلى الشارع حافي القدمينْ وأبدأ بالصراخْ، سأرددُ الحسيمة تسكنني، الحسيمة في خاطري، والريف لنا، سأجلسُ عند ‘حانوت’ عمي شعيبْ لأجبرهُ على النبشِ في الماضي الجميلْ وقبل ذلك أقفُ عند باب دكان رضوانْ حيثُ العجوز الهرم كلما رأني إلا وتذكر جدي عبد السلام العبوتي، سيحكي لي سيرة هذا الرجل التي حكاها لي أبي قبلهُ، لكني أجد لذة عظيمة في أن يحكيها لي غيرُ أبي، سأحسبُ خطواتي في لحظة حديث مع الذاتْ لأصل البلدة وأجلسَ على صندوق خشبي، فيأتي “حمو” الهرمُ ليطلبني الجلوسْ، أتركُ له الصندوق لأتي بواحد أخرْ فأجلسُ بجوارهِ، يسألني عن ابنِ منْ أنا؟ أستظهر له السلالة كاملة، ويستحضر لي نسبه من أبيه كاملاً، لاشكَ أنك لا تعرفني؟ لكن متأكدٌ أن محمداً-أباك- يعرفني، وحتى جدك أعرفهُ، كان ورعا تقيا صادقاً، يدُ العجوز ترتجفْ وعيناه تبكيانْ، يمسحُ دموعه بقطعة قماشٍ بالية، يزفر ويشهقْ بصعوبة، أتأمله وأتألم، أودعهُ لأترك مكاني لعجوز أخرْ، أسبر غورَ بلدة صاخبة في الصيف موحشةٌ في الشتاءْ، يفرملُ سائق الطاكسي عندَ قدمي لم أحسْ لحظة تلويحي له، لا أدري إنْ كنتُ فعلا استوقفته أم أنه توقف لمحض إرادتهْ.

أجدُ جسدي يتثاقلُ بينَ “كالابونيطا” و”لابيل بي”، أرتشفُ حسبَ “مصْروفْ” الجيبْ، أقوم من مكاني لأتجولَ قليلا بين شوارع الحسيمة، تذكرتُ قول أحد المغتربين: أن مساحة هولندا بأكملها تساوي مساحة الحسيمة، لا أدري إلى أي حدٍ صحيحة هذه المعلومة، لكنْ ما أعتقدهُ جازماَ أن الذين يحكمون هولندا ليسوا بدرجة قبحِ الذين يسيرون الحسيمة، في مقابل “كوليخيو” شيدتْ منصة السهراتْ، لا أدري إنْ كانتْ نفسُ المنصة التي استغلها مغني الكاباريهات في جولة اتصالات المغربْ، ما على يقينٍ منهُ أنها منصة “أريدْ” القادمة من الرباطْ، مهرجانٌ متوسطيِ يقام كل غشتْ، يستقْطبُ ألاف المتفرجين من كلى الجنسين وكل الفئات العمرية، إذاَ “أريد”ٌ هنا مرة أخرى، دعْني أزور بيت الثقافة لأعدَ الذين حضروا في افتتاح المهزلة، أسرعتُ الخطى لأصلَ، كان المكانُ غريباً لم أعهدهُ هكذا في كل مرة ألجهُ، حمدت الله لأني لم أستمع لكلمات الساسة فقدْ علمتُ مسبقاَ وقبلاَ أنها مكتوبة على هوى خونة الريفْ الساكنينْ الرباط، تفحصتُ كل الوجوه الحاضرة، التي لبتْ دعوات شفاهية أو نصية، فحضر الكثير من الساسة الصغار وبعض الكبارْ.

حضر الباميون الجدد والقدامى وصحافة البام والكفاءات الشابة وحضرَ رواد الفايسبوكْ وكتاب الستاتوهات المقتضبة، حضر المسرحيونْ والممثلونْ والمنشطونْ والذينَ يتقمضونَ أكثر من دور، يجمعون بين التنشيط والتأليف المسرحية والشعر، وأخرون يوافقون غضبا عنهم بينَ الأمن الخاص (عساسْ) وبينَ الصحافة، أحسستُ بغصة في قلبِي زادهاَ مرسولٌ من طرفِ مجهول أو مجهولين أو ثلاثْ أو بعضهم، توسلني في أنْ أدلي بتصريح لأجلِ “أريدْ” رفضتُ بلباقة وقلتْ: لستُ مستعداً، أرجوك اعفيني صديقي، ولى وجههُ شطرَ رفيقي علي، رفض هو الأخرْ بنفس اللباقة، أدركتُ أنهم لنْ يتركوني أشُقُ طريقي إلى حيثُ أريدْ، أشفقُ عليهم لأنهم يهتمون لأمري، همْ لا يدركونَ أني لا أفكرُ في مزاحمتهم، وأن أول وأخر همي أنْ أخلدْ بعد موتي لا غيرَ، ولن أكون خالدا بالسياسة، بئسَ الخلود ذاكْ يا ساسة ريفي. لقدْ شعرتُ بألم فظيع ورغبة رهيبة في أنْ أنقضَ على رقبة نائب نيابة الحسيمة، تذكرتُ جفاء معاملته معي، تذكرتُ استهزاء موظف قسم المنحْ حين استفسرته عن سبب إقصائي من الاستفادة من المنحة، وددتُ لو أني أدفع بودرا إلى بعيدْ لأسأله عن مستجدِ الشكاية التي تقدمتُ بها بخصوص نفس “المشكل”، أهي في يد الوزير كما وعدني أم أنها في سلة مهملات خادمك وموظفك “الشيخ”، فكرتُ في أكثر من هذا، وحدثتُ نفسي لفتراتْ، تلكَ المائدة التي يحوم حولها شلة “الأريديينْ” والتي تسمى بلغة فيكتور هيجو “بوز كافي” قيمتها المادية تتعدى الثمانية ألاف درهم أو المليون سنتيم على الأقل، بعملية حسابية هي قيمة تقريبية لما حُرمتُ منه من حصص المنح الجامعية، أبيتُ أنْ أزاحمَ “إمسْعانْ” في الأكلْ والشرب وظللتُ عطشانْ إلى أن جمعتُ كفي يدي وشربتُ شربة الفقراء من إحدى صنابير الدار. إييهْ كم أنا ساخطٌ هذه الأيام وكمْ أحسُ “بالحُكْرة” والظلمْ، كم أنا غبي “نية”، وكم هم حقيرون، إن الخيانة بحد ذاتها ميتة حقيرة قالها الشهيد غسان كنفاني، كان عليهم أنْ يموتوا أفضل لهم من أن يخلدهمْ التاريخ في مزبلته الخاصة، إنهم يقتربونَ مني محاولينَ أنْ يستغلوا نقطة ضعفي حسب ظنهم وهي (المال)، لكنْ وإنْ كنتُ لا أملك شيئا حقا وأني أتعثَرُ كثيرا وأتأخرُ في تحقيق أهدافي المسطرة لغياب المادة وشحها فإني لنْ أبيع ذمتي في سبيل أنْ أمسي غنيا أو لأجل أن تصبح مؤخرتي مكتنزة كما مؤخرة أغلب الخونة، إني راضي بفقري وعوزي وعزائي في الأمل والرغبة والحماس الذين يشتعلون في داخلي، لأجل هذا الريف، أيْ نعم لأجل الحسيمة التي تسكنني، إنها مستفزة ومذهلة، رهيبة وعميقة وساحرة، لكنْ؟ سأفكرُ جديا وعاجلاَ في أنْ أغيرُ هذا المكانْ لمكانٍ اخرْ، في السفر إلى ألمانيا، إني أطلبُ العلم والمعرفة وفضاءاً أوسع وأرحبْ، أريدُ أن أكون “أنا” وأحقق ما أصبو إليهْ، في داخلي هوسٌ عظيم بالريف وتربته، في داخلي حب عظيم للحسيمة وبوكيدان وإمزورن وايث بوعياش وتماسينت وكل المداشر والجماعات الحضرية والقروية التي تشكلُ حائط صد لكل من سولتْ أنْ يفتض بكارة هذه الدوحة العظيمة، أرجوكمْ لا تقفوا في طريقيِ، أيها الساسة دعوني وشأني، اتركوني في سلامْ حتى لا أحقدْ عليكم أكثر، وأنتم خونة لازلتُ اكنُ لكم الاحترامْ، لكنْ تماديكمْ في استغبائي واستفزازي والوقوفِ في طريقي يحسسني بأقسى أنواع “الحكرة”، أفسحوا لي الطريق أرجوكمْ.

بوعاصمْ!

loading...
2015-08-20

عذراً التعليقات مغلقة

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

عذراً التعليقات مغلقة

حسيمة سيتي