إلياس العماري مِن اقصى اليسار الى اقصى اليمين . الجزء 1

إلياس العماري   شخص مثير للجدل، لا أحد يعرف من  يكون، ماذا يفعل و لا بأي صفة يفعل، غامض بكل ماتحمل الكلمة من معنى ،حاول الكثيرون  فهم سيرة الرجل و توجهاته والإطلاع على مساره و مدى قدرته الحفاظ على نجمه ساطعا ( رغم السحاب الذي يغطي سماءه من حين لآخر )، بين ماكينات سياسية ومالية جعلت من الرجل هدفا لها في كثير من الأحيان.

سنحاول الإجابة عبر حلقات عن أسئلة من قبيل من يكون هذا الرجل الذي ولد من ضلع اعوج في اليسار، و خرج من هوامش المغرب الغير النافع من قرية امنود بالريف؟ و كيف شق طريقه حتى أصبح فاعلا في الحقل السياسي و ليس مجرد مفعول به؟ومن ساعده على بناء هذا المجد؟ ومن فوض له الحديث بإسم الدولة وأجهزتها الرسمية و غير الرسمية مع أنه لا يضطلع بأي مهمة أو مسؤولية يمكن أن يحاسب عليها من منظور ربط المسؤولية بالمحاسبة كما تنص على ذلك الدساتير ؟هل يمكن تشبيه سلوك هذا الرجل بسلوك الحركات الماسونية التي تتحكم في العالم كله دون ان نعرف عنها شيء ؟

كان للجغرافيا دورا حاسما في كتابة التاريخ الذي صنعه هذا الرجل لنفسه،دون أن نغفل جانبي الصدفة و الحظ اللذان لازماه طيلة مشواره السياسي،حتى أجمع الكل أن شخصية إلياس العماري لا تتكرر في الزمان مرتين، هو الذي كان طموحه في صباه لا  يعدو أن يصبح يوما مجرد دركي ببذلة زرقاء داكنة و مسدس في جيبه، في إشارة واضحة لحبه و ميوله للسلطة منذ نعومة أظافره، هذا الحلم لم يكن بريئا البتة وإفتتانه ب”الجدارمية” هو محصلة مجموعة من التراكمات في لا وعي هذا الطفل الصغير، أنتجها العنف الرمزي و المادي الذي كان يمارسه جهاز الدرك ا لذي يخشاه سكان القرى و المداشر  أكثر مما يخشون الله، وهو تكريس لسلوكيات مازالت موشومة إلى حد الآن بالذاكرة الجماعية للمغاربة و أهل الريف بالخصوص. بدأت أحلام هذا الفتى تكبر يوما بعد يوم،حتى تأتى له أن يحيط بالسلطة من جميع جوانبها و أن يجمع ما لم يجمع لأحد من قبله، فوصف على أنه مفرد في صيغة الجمع،  فاقتحم عالم السياسة والديبلوماسية  والمال و الأعمال و الرياضة، فكان حيث ما مر يترك توقيعه و بصمتة و يخلف أعداء أكثر مما يكسب أصدقاء.

  فبعد إنقطاعه عن الدراسة في المرحلة الإعدادية أضحى يحمل وزرا كبيرا على أكتافه، فسعى الى تكوين نفسه بعصامية بعيدا عن حجرات الدرس، فكانت هجرته إلي الرباط وإرتمائه بين أحضان الطلبة القاعديين بادرة خير عليه فقد إستلهم منهم الكثير فتعلم على أيديهم أول أبجديات الماركسية و اللنينية، فظل متنقلا من قلعة إلى أخرى بين قلاع الماركسية في المغرب بين الرباط و فاس و وجدة لا يحركه إلا الأفكار و المبادئ التي آمن بها غير متردد في نصرة رفاقه في كل ربوع المغرب كلما تطلب منه الأمر ذلك، فكان دائم الحرص على حضور مؤتمراتهم و أمسياتهم و حلقياتهم متنقلا من أقصى المغرب الى أدناه، حتى ولو كلفه ذلك المبيت في العراء ،أو في غرفة مكدسة بالرفاق بعضهم فوق بعض. فتشبع بالفكر الإشتراكي اليساري حتى إختلط بكرياته دمه الحمراء فاستمر على هذا الحال عقدا من الزمن عانى خلالها من البأس و الفقر و قصر ذات اليد بالكاد يجني قوت يومه كبائع للخضروات ب”القامرة”.

ذات صباح أدرك أن جدار برلين سقط منذ زمان، و اكتشف أن الإشتراكية مجرد تجربة سوفياتية فاشلة تجاوزها التاريخ فأدرك مع فوكوياما ان الرأسمالية هي نهاية التاريخ، فكانت القطيعة مع اديولوجية ا ليسار التي لم تجلب عليه إلا الويلات و الإحباط و اليأس و الهزيمة فما حاجته إلى كل هذ اللغط الفكري و نضالات البروليتاريا، و أفكار شيوعية مثالية لم تطبق يوما في العالم و لن يتأتى لها أن تطبق أبد الدهر . فأحرق كل كتب ماركس و أنجلز ولنين و رمى ما تبقى منها في واد النكور و مزق كل صورهم التي كان يعلقها على جدران بيته و كذلك البيانات التي كان يصدرها هو و رفاقه والتي تجاوز عددها الألف دون أن تحسن من وضعيته قيد أنملة فمزقها جميعها في تأكيد على نهاية مرحلة لم يعد يهمه أرشيفها فكسر المنجل بالمطرقة ورمى الإثنين في سلة المهملات بكل ما يحملانه من رمزية إشتراكية و يسارية في رسالة مفادها ان المكان الطبيعي للإشتراكية هو مزبلة التاريخ.

و استبدل معطف لينين الرث وقميص غيفارا الذي كان يلبسه بمناسبة ومن دون مناسبة وقبعة تروتسكي والكوفية ،ببذلة زرقاء أنيقة من نوع ” زارا ” بكل ماتحمله من دلالة بورجوازية ووضع ربطة عنق حمراء نكاية برفاقه اللذين مازالوا على عهد ماركس ولينين ،و استبدل حذاءه المثقوب تحت قدميه من كثرة ما كابد في الحياة، بآخر جديد فقط تلميعه يكلفه مايعادل أجرة يوم عامل بسيط، و انتقل من حي القامرة الشعبي إلى فيلا فخمة بحي الرياض إلى جانب الألبة و علية القوم بعيدا عن ضجيج البروليتاريا. فاشترى لنفسه سيارة فخمة حتى تكتمل صورة انتقاله الطبقي بعد ان كان يتنقل بين أحياء الرباط “سالت” في الطوبيس قبل ان ينعم الله عليه. هذا التحول المرفولوجي صاحبه تحول فكري فاستبدل قاموسه اليساري الاشتراكي (ثوري، شعبي،رجعي، بروليتاري، إمبريالي، شوفيني، كومبرادوري وديماغوجي…) حتى انه كان لا يكاد يتمم جملة من كلامه إلا و فيها واحدة من هذه المفردات، (استبدل قاموسه) بمعجم راسمالي بورجوازي ( الليبرالية، الحريات، الخوصصة، الديموقراطية، الحكامة و المشروع الحداثي… ).

  هذا التحول الإيديولوجي من ديكتاتورية البروليتاريا الى اليمين المخزني (حتى لا نقول اليمين الليبرالي، لأن الليبرالية اكبر من أن يزج بها في المستنقع السياسي المغربي)، تجسد بتأسيسه لحركة لكل الديموقراطيين التي لعب فيها دور ابن بطوطة الذي جال و صال في المغرب و في الريف على الخصوص من اجل استقطاب بقايا اليسار الراديكالي و اللذين يوحد بينهم ماضيهم اليساري ورغبتهم و طمعهم في التسلق الطبقي فوعدهم بجنة نعيم ان هم ساروا على دربه، مقنعا اياهم بالواقعية السياسية و البراغماتية، فتخلوا جميعهم عن المفاهيم و المبادىء الاشتراكية و الثرية و الاممية و ارتموا في أحضان البورجوازية المتوسطة وزمروا و طبلوا للديموقراطية الليبرالية و المشروع الحداثي الذي اصبحوا يتحدثون عنه بخشوع لاهوتي.

loading...
2015-08-18

عذراً التعليقات مغلقة

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

عذراً التعليقات مغلقة

حسيمة سيتي