التوفيق فتحي – يوميات مهاجر في “الأرياف” – دهاليز الإدارة

التوفيق فتحي – يوميات مهاجر في “الأرياف” – دهاليز الإدارة
دهاليز الإدارة

يعتقد كثيرون أن انتقادات “الجالية” للأوضاع في أرض الوطن تكبر ورياء! بل منهم من يغضبه هذا الانتقاد ويأخذه بشكل شخصي لدرجة اعتباره تهجما على شخصه. غالب انتقادات “الجالية” ذات طبيعتين: انتقادات لسلوك الأفراد وانتقادات للتنظيم والإدارة. شخصيا يهمني النوع الثاني من الانتقادات لعدة اعتبارات، أولها ان تنظيم الإدارة وإدارة النظام قرار مجتمعي وسياسي لا دخل لإكراهات الخصائص الجينية ولا لوطأة الموروث الثقافي في تحديدهما. ثاني هذه الاعتبارات أن الاهتمام بالإدارة يخرج النقاش من حيز الاشخاص الضيق إلى رحابة التدافع المجتمعي الرحب، خطوة تجعل النقد يتحول الى تفكير منهجي يرمي إحداث تراكم قد يقودنا يوما إلى طفرة “التقدم” بدل حديث أقرب إلى النميمة، يكشف الكثير لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى الدفع بقضايانا إلى الأمام.

هذه المقدمة ضرورية لرفع اللبس وللتأكيد على الوظيفة المركزية للنقد في تصريف الحياة العامة ولبناء نظام ديمقراطي مستوعب للكل ويعمل لصالح الكل. اننا غالبا ما نخطط عطلنا للاستجمام والاستراحة بعد عام كامل من العمل، لكننا غالبا ما نقضي معظم أيامها بين الإدارات وداخل الشعاب الملتوية لتلكم الإدارات. قادتني الظروف أن أزور بعضا من هذه الإدارات خلال هذا الصيف، لأخرج في نهاية المطاف بقناعة مفادها أن التخلف والتقدم لا يمكن البتة قياسهما فقط بوفرة المواد الاستهلاكية ولا بمدى انتشار الجيل الرابع للاتصالات ولا بعلو البنايات والعمران… بل تقاس قبل ذلك كله بطريقة تصريف المعاملات الإدارية.
اول إدارة عمومية تشرفت بزيارتها هي القباضة العامة بإمزورن. موظف وحيد يخدم جموع المنتفعين، اللذين تتنوع طلباتهم بين الحصول على شواهد إبراء الذمة لإتمام معاملاتهم العقارية، دفع الضرائب على الدخل ودفع غرامات المرور…في المتوسط، يقصد حوالي 40 شخصا المؤسسةللاستفادة من خدماتها.
الموظف الوحيد تتوزع مهماته بين تحرير الوثائق، وطبعها، واستخلاص الغرامات وتحصيل الضرائب…وأشياء أخرى! وهذا في عز الصيف، في فترة يتضاعف فيها عدد الوافدين على المنطقة بثلاثة أضعاف. سلوك وعمل الموظف على المستوى الشخصي لا تشوبه شائبة، لكن تقييم أداء عمل المنظومة ككل يؤشر إلى ضعف بنيوي في الأداء تحتم علي ان انتظر ساعة كاملة لاسترجاع شهادة كانت جاهزة يوما قبل زيارتي للقباضة. ثلاث قرارات إرادية جد بسيطة وغير مكلفة كانت كفيلة بتحسين فعالية الأداء بنسبة تسعين بالمائة.
القرار الأول: تنظيم إجازات الموظفين خلال فترة الذروة لضمان تواجد عدد كاف منهم خلال شهري يوليوز وغشت بدل الترخيص للكل في نفس الفترة الزمنية القرار الثاني: تنصيب موظف استقبال متخصص في توجيه الطلبات نحو المصلحة والموظف المناسبين وتصريف المعاملات البسيطة القرار الثالث: توزيع المهمات بين الموظفين وفق منطق التخصص دون اغفال تكوينهم لأداء متعدد الاختصاصات لتعويض زملائهم حال غيابهم. تنظيم كان من الممكن أن يجنبني خسارة ساعة من عمري ومن عطلتي قرارات سهلة وغير مكلفة بإمكانها أن تنقلنا خطوة إلى الأمام على درب “التقدم” ذي المليون خطوة.

التوفيق فتحي، المدير المالي للحركة العمالية المسيحية ببلجيكا

للتواصل : [email protected]
2015-08-12

عذراً التعليقات مغلقة

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

عذراً التعليقات مغلقة

حسيمة سيتي