بعد نصف قرن من الهجرة .. هل ريفيو المهجر غير نادمين على قرار الهجرة ؟

يشكل اليوم الوطني للمهاجر الذي يصادف 10 غشت ، فرصة للتطرق الى الوضعية التي يعيشها شتات الجالية الريفية بالعالم و في اوروبا على الخصوص بعد نصف قرن تقريبا من مغادرة الجيل الاول لارض الريف.

في غياب جهاز إحصائي وطني سليمن يصعب في الوقت الحاضر تحديد عدد المهاجرين الريفيين المقيمين بدول اوروبا.لهذا سنكتفي باستحضار عض المعطيات الكمية قديمة نسبيا،لأخذ فكرة عن الحضور الريفي في المهجر.علما بأن هذه هذه المعطيات لا تعكس حقيقة هذه الظاهرة المجتمعية في الوقت الراهن نظرا لتزايدها الطبيعي (إعادة الانتاج الذاتي بالمهجر) وللأبعاد الاستثنائية التي أخذتهاالهجرة السرية خلال العقود الأخيرة. فحسب تعداد السلطات المحلية لإقليم الناضور سنة 1989، بلغ عدد مهاجري الإقليم المذكور بالمهجر 130000 شحص (1)، بينما قدرت البحوث التي انجزت في إطار PAIDAR-MED عددهم في 158800 شخص سنة 1992، مقابل 63712 بالحسيمة (2). وهو ما يمثل 20% و 14% على التوالي من مجموع سكان الإقليمين. وقد ترتبت عن هذا الحضور المكثف بالمهجر تنوع كبير في مجال الهجرة.ذلك انه على عكس أغلب مهاجري الأقاليم المغربية الذين اتخذوا من فرنسا وجهتهم الرئيسية، فإن المهاجرين المنحدرين من اقليمي الحسيمة والناضور يقيمون بكثافة في كل من هولندة وبلجيكا والمانيا، فضلا عن فرنسا ومؤخرا في اسبانيا.ويعزى الانتشار المتميز لعمالة الإاقليمين المذكورين داخل مجال المهاجرين باوروبا الى اقدام السلات المغربية”زمن الهجرة المتوحشة” إلى اختيار اقليمي الحسيمة والناضور لتنويع “تصديره” قوة العمل نحو الأسواق الأوروبية غير الفرنكوفونية(3). في خضم هذه الظروف عرف الريف أكبر عملية لتحويل الفائض الديموغرافي خارج الحدود الوطنية في تاريخ القرن الماضي، علما بأن مساهمة الوحدات الترابية الريفية في تغذية التيارات تبقى جد متباينة. لكن اللافت للانتباه هو أنه إذا كان حجم الجالية المغربية باوروبا سجل تزايدا مهما في اغلب دول الاتحاد الاوروبي، بدرجات متفاوتة طبعا،فإن اكبر نسبة للتزايد تلاحظ في اسبانيا.فقد صار هذا البلد الذي كان إلى عهد قريب مصدرا للمهاجرين ، القبلة الرئيسية لغالبية مهاجري أقاليم الشمال عموما، وللريفيين على وجه الخصوص انطلاقا من أواسط الثمانينيات. فعلى سبيل المثال أصبح يستقطب اكثر من 30% من مهاجري إقليم الحسيمة، محتلا بذلك المرتبة الثانية بعد هولندة : 36.9%، بعدما كانت فرنسا إلى غاية اواخر الثمانينيات هي التي تحتضن اكبر عدد من مهاجري الحسيمة(4).ومن المتوقع ان يتجاوز حجم الجالية الحسيمية المقيمة باسبانيا،خلال السنوات القليلة القادمة ،عدد أبناء الإقليم المذكور المستقرين بهولندة، نظرا للانتشار الواسع للهجرة السرية نحو اسبانيا.ومن الطبيعي أن يكون للحضور الوازن للريفيين في المهجر تأثير على مناطقهم الأصلية نتيجة للعلاقات الوطيدة التي تظل تربطهم بها، على اعتبار ان الهجرة لا تحدث قطيعة معها. لم تساهم موارد الهجرة في الريف في إحداث تغيير حقيقي في الجهاز الانتاجي المحلي،وإن أصبحنا نلاحظ في السنوات الأخيرة تنوع الاستثمارات عند بعض المهاجرين، وبالتالي فإن الأسباب العميقة للهجرة لا تزال قائمة، بل تعقدت أكثر مع تزايد الانفتاح وانتشار الاقتصا د غير المشروع.فاموال الهجرة رغم اهميتها، لايتم إعادة توزيعها على مستوى قروض في عين المكان بل تحول إلى تمويل التنمية في مناطق مغربية أخرى. وهو ما يفسر النزيف المالي الذي يشهده الريف.ففي سنة 2000 وحدها بلغ حجم رساميل المهاجرين التي تم تحويلها من البنك الشعبي إلى الجهات المغربية 49248 مليون درهم، إضافة الى 99125 مليون درهم من رساميل المحليين.وهكذا، بعد مرور نصف قرن على الانخراط المكثف في مسلسل الهجرة العالمية لا يزال الريف في حاجة إلى “تصدير” المزيد من أبنائه إلى أسواق العمل الأوروربية للحفاظ على التوازنات الرئيسية.ولا يتوقع أن يكف السكان النشيطون عن البحث عن موارد تكميلية خارج مجالهم إن ارادوا المحافظة على استمرار يتهم ،رغم المجهودات التحديثية الجارية التي تقوم بها الدولة والمجتمع المدني. للإشارة فقد أظهرت النتائج النهائية المنجزة في إطار برنامج PAIDAR-MED أن على إقليم الحسيمة انتظار 2025، ويحقق السيناريو الوسيط الذي يحتمل ألا ينزل معدل النمو عن 6% سنويا، ليبلغ معدل الدخل الفردي 5000 در. وهو احتمال مستبعد التحقيق بالنظر إلى التقلبات الكبرى التي يعرفها الاقتصاد المغربي. وأمام تراجع دور الدولة في إنعاش الاقتصاديات المحلية، واستفحال ظاهرة هروب الرساكيل، فإن مشاكل الريف ستزداد تعقدا عما كانت عليه في بداية الستينايات.ومما يزيد من هذا الاحتمال كون الريف لايزال يعيش نتائج الانتقال الديموغرافي، كما يشهد على ذلك التزايد المستمر في عدد سكانه . وهذا يعني المزيد من الضغط على سوق العمل المحلي خلال السنوات المقبلة. إذ تفيد بعض الإسقاطات انه على الرغم من الإفلراغ الذي تعرفه البوادي ،فإنها ستظل تحتضن أكثر من نصف السكان .وسواء تعلق الامر بالمدن، التي شهدت ساكنتها نموا استثنائيا تحت تأثير الهجرة القروية والزيادة الطبيعية ، أو بالأرياف التي سجلت معدل نمو بلغ 0.7% ما بين 1994و 2004 ، فان نتائج هذه الوضعية لا يمكن اخفاؤها : تزايد الطلب على الحاجيات وممارسة الضغط على سوق العمل.علما بان هذا الاخير مهما بلغت ديناميته لن يستطيع امتصاص كل الأعداد المتزايدة من النشيطين الذين يصلون سنويا الى سوق العمل باعداد كبيرة تحت تاثير الانتقال الديموغرافي.فحسب نتائج إحصاء السكان والسكنى لسنة2004، كانت تمثل الفئات العمرية 15-59 باقليم الحسيمة 58.6% ، ومن المتوقع ان تصل الى 61% سنة 2010. وإذا كلان القطاع غير المهيكل بما في ذلك الأنشطة غير القانونية مرشح كثر من غيره لإمتصاص جزء من النشيطين،فإن الجزء الاخر سينضاف لا محالة الى المقصيين من سوق العمل.وهو ما يعني أن خيار “الحريك” سيظل حاضرا في استراتيجية ابناء الريف، خصوصا و ان أسواق العمل بالجارة الايبيرية تمارس عليهم جاذبية قوية.إذ تشير المعطيات افحصائية الرسمية ان معدل الدخل الفردي في اسبانيا يفوق 17000 دولار بينما لا يتجاوز في المغرب 1300 دولار.

  في الواقع ، كان من الممكن ان تساهم موارد الهجرة في تنمية وتطوير الجهاز الانتاجي الريفي لو توفرت الرغبة في التخفيف من اسباب الهجرة .لكن هذا لم يحدث .واستمرت نزعة الطرد لصيقة بالريف .لهذا نجدالريفيين في بحث مستمر عن مناطق ملائمة لاستثمار اموالهم ولاستقرار عائلاتهم، متخذين من مدن شبه الجزيرة الطنجية قبلتهم الرئيسية.في حين اختار البعض الآخر الهجرة بصفة نهائية للاستقرار والاستثمار في دول الإقامة. وفي ظل الظروف الحالية يصعب توقيف هذا المساسل، وتثبيت العناصر الاكثر دينامية بمناطقها،لأن المنطق الذي حكم تشجيع الهجرة لم يتغير: الهجرة وسيلة لجلب العملة الصعبة كما يشهد على ذلك المخطط الخماسي ،اذ نقرأ في بعض فقراته ما يلي”ستساهم الجالية المغربية المقيمة بالخارج من جهتها في تعزيز رصيد البلاد من العمة الصعبة،بحيث من المنتظر ان ترتفع التحويلات الصافية بمعدل 1.9% خلال فترة المخططن ومن الواضح ان نسج علاقات وطيدة بين الجالية المغربية المقيمة بالخارج وبلدها الأصلي تشكل محورا لتنمية المبادلات بين المغرب والبلد المستقبل وتساهم في تحويل الموال الأجنبية تجاه بلدنا.وهكذا فإن الاستراتيجية المحددة خلال المخطط ستقوم على إنشاء مرصد للهجرة لتتبع ورصد حركات الهجرة مع تنمية روابط ادخار المغاربة بالخارجوتسهيل الاستثمار أمامهم بالافضلية في المناطق التي ينتمون إليها “. غيرأن النوايا وحدها لا تكفي لإدماج المهاجرين في مناطقهم وتحويلهم الى فاعلين ومساهمين حقيقيين في تنمية بلادهم ما لم يتم ترجمتها على أرض الواقع.لهذا فإن اول خطوة ينبغي القيام بها في هذا الإطار لتجاوز النفور من المنطقة، هي تعميق المسلسل الديموقراطي وتشجيع المهاجرين على الانخراط في الحياة السياسية، واشراكهم في اتخاذ القرارات ومحاربة مختلف الانحرافات التي تنفرهم من الارتباط بمواطنهم وبوطنهم.

  فقد بات من الضروري التسريع بوتيرة الإصلاحات للتخفيف من أسباب الطرد التي تفقد الريف عناصره الحية والأكثر ديناميكية،خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار التحولات العميقة التي تشهدها الجالية الريفية المقيمة بالمهجر والإغراءات والتشجيعات التي تقدمها لها دول الاقامة.واي تأجيل لهذا الورش سيزيد من تعميق النزيف المالي والبشري الذي يشهده الريف، ومن استمرار لا مبالاة أبنائه ركوب مغامرات الهجرة السرية،التي تخلف احيانا كوارث انسانية حقيقية.وهو ما عبر عنه صراحة رئيس مندوبية اللجنة الاوروبية بالمغرب خلال الندوة الصحفية التي عقدها في الرباط خلال الاسبوع الماضي حين قال”اذا كان جيراننا في حالة سيئة ديموقراطيا… وغير مؤهلين اقتصاديا بما فيه الكفاية،فاننا سنؤدي ثمن ذلك بطريقة او باخرى”في اشارة الى تدفق الهجرة السرية و الارهاب،التي قال انها”ظواهر لا يمكن التحكم فيها”. واذا كان لا احد ينكر المجهودات الجارية التي تقوم بها الدولة و منظمات المجتمع المدني في ارياف و حواضر الريف الهادفة الى تاهيلها،فانه من الوهم الاعتقاد بانها ستحد من ميل السكان نحو الهجرة.ان التنمية الشاملة وحدها هي التي يمكن ان تخفف من نزعة الطرد بالريف.هذه التنمية التي لا يمكن تصورها بمعزل عن التعاون مع جيراننا الشماليين،وتقوية و تمتين العلاقات الاقتصادية مع اخواننا الجزائريين،أي في اطار تكثيف التعاون العمودي(الاورومتوسطي) والافقي(المغاربي).

امحمد لزعر

loading...
2015-08-10 2015-08-10

عذراً التعليقات مغلقة

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

عذراً التعليقات مغلقة

حسيمة سيتي